كتاب

الجامعة الأُردنيّة في ذكرى التأسيس

بعد واحد وستين عاما على تأسيس الجامعة الأُردنيّة تثور الشجون والأسئلة والعبر الكثيرة عن أجيال أسست، وعن رجال بنت وعززت، وعن آلاف من الطلبة تخرجت، عن زمن الأردنية الجميل والنبيل، يوم انطلقت قوافل الحياة والعلم والمعرفة في الثاني من أيلول عام 1962 حين صدرت الإرادة الملكية بتأسيس الجامعة الأردنية. وعن ذلك اليوم الذي بدأت فيه الدراسة في 18 من كانون الأول من العام ذاته حيث بدأت فيها بكلية واحدة هي كلية الآداب التي ضمت يومذاك أقسام ستة، وكان عدد الطلبة في تلك السنة 167 طالباً بينهم 17 طالبة، وفي هذا الشهر يكتملُ بدرُ الأُردنيّة واحدا وستين عامًا مِنَ العطاءِ والإنجازِ والإبداع، هيَ ستةُ عقودٍ واكثر من عمر الجامعةِ الأردنيّةِ، التي فَتَحَتْ أبوابَها فِي الثاني مِنْ أيلولَ، وَلِأَيلولَ وَقْعٌ خاصٌّ فِي انقلابِ الصَّيفِ إلى الخريف، وَفي أيلولَ دَخَلْتُ الأردنيّةَ طالبًا في كليّةِ الآداب، واليوم كرّمني رئيسها الدمث الخلوق الدكتور نذير عبيدات بأنْ حَمَّلَني شَرَفَ خِدمةِ كلية الآداب للمرة الثانية، وهو ما يحَفَّزَني على قراءةِ خِطابِها مِنْ جديد؛ بُغْيَةَ مُواصلةِ مسيرةِ السّابقينَ والبناءِ عليها، كلُّ ذلكَ وعيوني لا تفارقُ ذلكَ الجيلَ الذي بَنى وَمَضى، وقلبي يَدُقُّ لِهذا الجيلِ الذي يحتاجُ إلينا لِدَفْعِهِ إلى الحياةِ وَحَثِّهِ على العطاءِ، مُتَسَلِّحًا بالعِلمِ والفكرِ والإبداع.

والآدابُ أوَلُ كليّةِ فِي الجامعةِ والوطن، انطلقتْ لِتُشَكِّلَ البَصْمَةَ الأولى حامِلَةً قناديلَ الحياةِ مَعرفةً وثقافة، وما زالت تقفُ على اعتابِ الماضي، تُذَكِّرُ بِمَنْ مَرُّوا في قاعاتِها، وَمَنْ سَطَّروا أسماءَهُمْ في صَفَحاتِها، مِنَ المُبدِعينَ والأوفياءِ لجامعتِهِمْ، هؤلاءِ الذينَ تَرَكُوا بصماتِهِمْ كانوا يعملونَ على رَفْعِ سَوِيَّةِ جامعتهم، وَيَحْرِصونَ على جَعْلِها تَتَبَوَّأُ المَكانَةَ التي تستحِقّ، ونحنُ اليوم في هذه الذكرى نَسْتَذْكِرُ هذهِ المسيرَةَ الخَيِّرَةَ لِهؤلاءِ العُلماءِ الاجِلّاء؛ مَنْ بَقِيَ منهم حَيًّا بِروحِهِ وَمَنْ أَحْيَتْهُ سيرَتُهُ العَطِرَةُ لنقولُ لهمْ إنَّ أبوابَ الآداب مُشْرَعَةٌ، تنتظرُ شهاداتِكُمْ وَتَجارِبَكُم لكي تضعها على صفحاتها، وسوفَ تستمرُّ في نهجِها لإعادَةِ الزَّخَمِ العِلميِّ الذي أنْجَزْتُموهُ في سنواتِ عمرِها، وهذا يُحَتِّمُ علينا قراءةَ التاريخِ بعنايةٍ واهتمامٍ وتمعُّن؛ لِنَعْرِفَ أينَ كُنّا وأينَ أصبَحْنا، وإلى أينَ تَتَّجِهُ خُطانا؛ خاصّة أنَّها اليومَ تسمو بجيلٍ مِنَ الأساتِذَةِ يَتَوَقَّدونَ عطاءً وَيَشِعّونَ بَذْلاً وَيُحْسِنونَ عَمَلاً، عيونُهُمْ تَصْبو نَحْوَ جامعتِهِمْ وَقُلوبُهُمْ تَخْفِقُ حُبًّا لها، وَهُمْ يَرْنونَ للجديد، وَيَبْحَثونَ عَمّا يُعيدُ الحياةَ لإرجاءِ المكان، كلُّ هذا قليلٌ مِنْ كثيرٍ عَنِ جامعة تَرَكَتْ بصماتِها في بُناةِ الوطنِ في ارجاء الدَّولةِ الأردنيّةِ داخِلَها وخارِجَها، وحينَ تعودُ الذاكرةُ إلى الوراءِ تَجِدْها تَخْتَزِنُ أسماءَ مئات المُبدعينَ مِمّنْ تَرَكُوا إرْثَهُمْ وَمُؤَلَّفاتِهِمْ وَإبداعاتِهِمْ، وَرَصَّعوا سِجِلّاتِ التاريخِ بِمدادِ حُروفِهِمْ وَأنفاسِهِمْ وَجُهودِهِم.

هكذا هِيَ الاردنية مُنْذُ انطلقَتْ في سماءِ الوطنِ حاضرةً بِكِبْرِياءِ الكِبارِ وَالعُلماءِ الذينَ رَسَموا لَها مَناراتِها وَلَوَّنوا أشجارَها الوارِفَةَ بِالخُضْرَةِ وَالدِّفْءِ وَالمعرفة، هكذا كانتِ المَسيرَةُ تَمْضي غَيْرَ عابِئَةٍ بِظُروفٍ أو تَحَدّيات، تَزْرَعُ بِحُبٍّ لِيَحْصُدَ الوطنُ والإنسانُ جمالَ زَرْعِهِ الفَتّان، وهاهي الجامعةُ تمضي في انجاز خططها وأهدافها وتشريعاتها وأنظمتها بهدوء وروية، وقد أنجزت منذ التأسيس أرقاما متقدمة في التصنيفات العالمية، وحققت الكثير الكثير من خططها واهدافها، وهي مستمرة في عملها وعيونها على الاردن وشبابه، ويكفيها انها تتحمل اكبر اعباء القبول الجامعي سنويا، وتلبي طموحات المجتمع الأردني، وهي ماضية في هذا الدور بمسؤولية اجتماعية تؤكد للقاصي والداني انها جامعة الوطن، ومعيارها الدقة والعمل ولا شيء غير العمل والانجاز، ومن لديه مبادرة او ابتكار او مشروع علمي يخدم الوطن والجامعة يجد ابوابها مشرعة له، وما يسجل لها هذه الايام تأكيدها على حجز موقعها المتقدم بين نظيراتها العالمية.

وَبعدُ، فأقولُ لِلأوفياء لِرسالِةِ الجامعةِ والوطنِ أنتُمُ شُّعاعُ لا يَنْطَفِئ، وأملُ لا ينتهي، وروح تقودُنا إلى ذُرى النَّدى، وأنتُمْ النُّجومُ في سمائنا، المُشْرَئبّونَ نَحْوَ المَجْدِ والسُّؤدُد، فَامْضوا إلى غايَتِكُمْ، وَحُثُّوا خُطاكُم نَحْوَ العُلا، وَشُدُّوا الرِّحالَ إلى المأمول، واتركوا لِقافِلَتِكُمْ عَنانَها؛ فهيَ لا بُدَّ ماضِيَةٌ نَحْوَ تحقيقِ اهدافها بهمةٍ لا تلين. وَدُمْتُمْ جَميعًا بخيرٍ كثير، وَفَضْلٍ مِنَ اللهِ وَفير.

mohamadq2002@yahoo.com