كتاب

قراءة متأنية في قانون الجرائم الالكترونية في ضوء الرؤية الملكية

قبل أعوام أربعة زارني في مكتبي في الجامعة الأردنية أحد محرري جريدة «الرياض» السعودية لعمل ريبورتاج عن الناس والثقافة في زمن التواصل الاجتماعي، وسألني عن ذلك وقلت له يومذاك: إن اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ منظومة قيمية ﻣﻌﺮﻓﻴﺔ ﺗﺮﻓﻊ ﺷﺄن اﻻﻧﺴﺎن وتقوده اﻟﻰ الإبداع واﻻﺑﺘﻜﺎر، وتؤسس لقيم ﻗﺎرة ﻓﻲ ﺣﻴﺎة اﻟﻔﺮد واﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، ومن ﻳﻤﻠﻜﻬﺎ وﻳﺤﺴﻦ توظيفها ﻳﺼﻞ هدفه وﻳﺤﻘﻖ طموحه؛ غير أنها تتعرض لإهمال مستمر ومحاولات هدم ﻗﻮاﻋﺪﻫﺎ وإﻇﻬﺎرﻫﺎ ﺑﻤﻈﻬﺮ اﻟﻀﻌﻒ وأنْ ﻻ ﻗﻴﻤﺔ ﻟﻬﺎ، وأنّ اﻟﻤﺜﻘﻒ إﻧﺴﺎن دﻳﻤﺎﻏﻮﺟﻲ ﻳﻌﻴﺶ ﻓﻲ اﻟﺨﻴﺎل؛ غير أنّ ﺿﺤﺎﻟﺔ اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻓﻲ وﺳﺎﺋﻞ اﻟﺘﻮاﺻﻞ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻳﺜﻴﺮ أﺳﺌﻠﺔ ﻛﺜﻴﺮة بسبب ﺧﺮوجها ﻋﻦ دورها الحقيقي وﺗﺠﺎوز ﻣﻦ ﻳﻜﺘﺒﻮن ﻓﻴﻬﺎ ﺛﻘﺎﻓﺔ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ وﻗﻴﻤﻪ وﻋﺎداﺗﻪ. وانتقدت بشدة ما يكتب فيها وعبرت عن حزني بقولي: وجدت ﻛﺘﺎﺑﺎت وﻧﻘﺎﺷﺎت ﺗﺼﻞ ﺣﺪ اﻟﻔﻀﺎﺋﺢ وارﺗﻜﺎب اﻟﻤﺤﺮﻣﺎت؛ و ﻛﺄن اﻟﻨﺎس ﻓﻘﺪوا ﻋﻘﻮﻟﻬﻢ وﻋﺎداﺗﻬﻢ وﺗﻘﺎﻟﻴﺪﻫﻢ ودﻳﻨﻬﻢ، ﺗﻘﺮأ وﺗﺘﻌﺠﺐ وتعود للوراء سنوات وسنوات ﺗﺠﺪ ﻧﻔﺴﻚ ﻓﻲ ﻣﺘﺎﻫﺎت اﻟﻴﻮم؛ ﻏﺮﻳﺒﺎ ﺷﺮﻳﺪا وﺗﺒﻜﻲ ذﻟﻚ اﻟﻤﺎﺿﻲ اﻟﺒﺴﻴﻂ ﺑﺪﻓﺌﻪ وﺑﺴﺎﻃﺘﻪ وﺻﻌﻮﺑﺔ اﻟﺤﻴﺎة ﻓﻴﻪ، كانت الكلمة كحد السيف، وكان الجميع يعيشون عبقرية البساطة، واليوم غاب الكبير في النسيان، وغادر الطيبون المكان، وغدا الصغير صاحب رأيٍّ وحكمة!

كما قلت في زﻣﻦ وﺳﺎﺋﻞ اﻟﺘﻮاﺻﻞ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺿﺎع ﻓﻴﻪ اﻟﺠﻤﻴﻊ، واﻧﺼﺎع اﻟﻜﺒﻴﺮ ﻟﻠﺼﻐﻴﺮ، ولم يعد لأحد سلطة على أحد، وحين تنظر في وجوه بعض الناس وﺗﻘﺮأ ﻓﻲ ﺻﺤﺎﺋﻔﻬﻢ وﺻﻔﺤﺎﺗﻬﻢ ﺗﺠﺪﻫﺎ ﻻ ﺗﻤﺖ ﻟﻮاﻗﻌﻬﻢ ﺑﺼﻠﺔ، واذا ﺑﻚ أﻣﺎم ﺳﻴﻞٍ ﻋﺮمٍ ﻣﻦ ﻗﻠﺔِ اﻟﺬوق واﻟﺸﺘﺎﺋﻢ واﻷﻟﻔﺎظ السوقية في كتابات ﺗُﻨﺎﻓﻲ اﻷﺧﻼق واﻟﺬوق اﻟﻌﺎم، وﻳﺴﺘﺤﻲ اﻟﻤﺮء ﻣﻦ ﻗﺮاءﺗﻬﺎ، مع أن هذه الوسائل جاءت لخدمة الإﻧﺴﺎن ﻻ ﻟﺸﻘﺎﺋﻪ وﻛﺸﻒ ﻋﻮراﺗﻪ والإﺳﺎءة إليه، والشكوى من هذه الوسائل أصبحت كثيرة وعامة ﺑﺴﺒﺐ ﺣﺠﻢ اﻟﺘﺠﺎوزات اﻟﺘﻲ ﻳﻘﺎرﻓﻬﺎ ﻟﺼﻮص اﻟﻈﻼم اﻻﻓﺘﺮاضيون اﻟﺬﻳﻦ ﻻ ﻳﺮﻋﻮن إﻻً وﻻ ذﻣﺔ، وهـؤلاء لا ﻳﺘﻮرﻋﻮن ﻋﻦ الأذى واﻟﺸﺘﻢ وﻗﻠﺐ اﻟﺤﻘﺎﺋﻖ واﻟﻜﺬب اﻟﻤﻔﺘﻮح ونشر اﻹشاعة.

سُقت هذه المقدمة لكي يعرف القارئ كيف كان الناس في زمن التواصل قبل عدة سنوات واليوم الأمر زاد عن حده وها هو قانون الجرائم الالكترونية الجديد جاء ليعالج ما قلناه قبل أربع سنوات؛ لأن عديدين من المتعاملين مع هذه الوسائل لا يتورعون في التجاوز على قيم المجتمع وأفراده، وترى بعضهم يقذفك ليل نهار؛ وكأنه المُصدق، في حين كان الكثيرون يترفعون عن الرد ليس خوفًا منهم؛ وإنما تمنعهم اخلاقهم وتربيتهم، احتراما لأنفسهم ومجتمعهم، واليوم بات القانون حَكماً حقيقيًا بين الناس، ومن المؤمل ان يضع حدًا للتطاول على الأخلاق العامة والناس وقيمهم وعاداتهم واعرافهم وخصوصياتهم.

جاء القانون ليضع حداً للانفلات الواسع والتشكيك والتطاول، واختراق الشبكات والبرمجيات بقصد تعطيلها، والدخول دون تصريح على وسائل الدفع الإلكتروني، والاعتداء على تقنية نقل الأموال والخدمات المصرفية للبنوك والشبكات المالية، والاحتيال الإلكتروني والترويج للأعمال الإباحية، والقدح والذم والتحقير واغتيال الشخصية وإثارة الكراهية والفتنة والنعرات والنيل من الوحدة الوطنية، والدعوة للعنف وازدراء الأديان، والإتجار بالأسلحة وتصنيعها، والتسول الإلكتروني، وهذه مظاهر غدا اجتثاثها ضرورة مهمة لحماية الناس والمجتمع.

وفي ظلالِ الرؤية الملكية وتصريحاته الأخيرة حين أشار الى أنّ نقد السياسات وحرية التعبير لا تتعارض مع القانون، وأن مكافحة هذا النوع من الجرائم الالكترونية يجب ألا تكون على حساب حق الأردنيين في التعبير عن آرائهم أو انتقاد السياسات العامة، كما شدد خلال لقائه رئيس وأعضاء المركز الوطني لحقوق الإنسان ونقيب الصحافيين، على أن الجميع متفقون على مواجهة الإساءات التي تخالف الأخلاق والقانون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معتبراً أن تطبيق قانون الجرائم الإلكترونية سيكون العامل الحاسم في الحكم عليه ومراجعة بعض بنوده، بالتعاون مع الجميع، كما هو الحال في باقي التشريعات. ولفت جلالته إلى أن الأردن ملتزم بالتعددية السياسية والإعلامية، وأن الأردن ليست دولة تعسفية ولن تكون أبدا، مشيرا إلى أن تاريخنا يشهد على ذلك،

هذه الرسائل الملكية تؤكد للجميع بضرورة معالجة بعض العبارات الفضفاضة التي تحتمل أكثر من تفسير؛ خاصةً حين يشير جلالته الى أن نقد السياسات حق للمواطن، وهي مسألة في صلب العملية السياسية، وبالتالي فان المطلوب من السلطتين التنفيذية والتشريعية أن تضبط المواد الفضفاضة في القانون؛ لان نقد السياسات قد يُفسر في صيغته الحالية على أنه نقد للمسؤول أو اغتيال أو إساءة لشخصه، وهذه مسألة في غاية الأهمية يجب معالجتها، واشارات جلالة الملك بنقد السياسات يعني عدم تحصينها من النقد، وبالتالي عدم تفسيرها على أنها نقدا للمسؤول، وهذا يحتاج الى مقتضى قانوني يزيل اللبس في هذه المسألة، والأصل تحصين جلالته من التطاول، وبذلك يتمكن المواطن من نقد السياسات غير الصحيحة التي تضر بالوطن والمجتمع.

وبعد، القانون هو تشريع قابل للتعديل والقراءة الفاحصة، ومن الضروري أخذ الرسائل الملكية منهاج عمل حتى لا يحجم الناس عن المشاركة في الحياة السياسية، وهي رسائل واضحة، لأنها تنطلق من رغبة جلالته الحقيقة في أن يرى الحياة السياسية والديمقراطية والحزبية تمضي في طريقها الصحيح، ومطلوب من السلطات المعنية أن تبادر لاخذ هذه الرسائل على محمل الجد كي تستمر الثقة بين المواطن والمسؤول بعيدا عن لغة الخوف والتشكيك. ولا نريد لقانون الجرائم الالكترونية أن يكون سببا في إحجام الناس عن التعبير والمشاركة في الحياة السياسية، ولا مصدر رعب وخوف، نريد ان يشعر المواطن بالحرية والثقة بالحياة السياسية، وفي القانون شقان؛ أحدهما أن الناس يرفضون الاساءات بكل أشكالها وألوانها وهم معه في التشديد عليها، وثانيهما حرية التعبير في نقد السياسات والنقد الموضوعي الذي يقييم الاخطاء والضعف في اتخاذ القرار واحيانا الاستهتار التي تقع في بعض المؤسسات التي تقدم الخدمة للناس، وهنا يجب الا يشعر الناس أن القانون يحمي سياسات المسؤول من النقد والمساءلة، وهي مسألة تحتاج إلى مراجعة في ضوء الرسائل الملكية المهمة التي نبهت لهذه الثغرات.

mohamadq2002@yahoo.com