كتاب

لعبة الصندوقراطية وثقافة الديمقراطية

يميز الزميل بلال فضل بين الديمقراطية والصندوقراطية، و يضع خبرته في متابعة مسارات الأحداث التي سبقت ورافقت وأتبعت الانتخابات البرلمانية والرئاسية في مصر بعد ثورة يناير، و حديث فضل يعيد التساؤل الشهير للرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي حول مدى أهليتنا كشعوب عربية للممارسة الديمقراطية.

تجارب مصر وتونس، وقبلها تجارب أخرى في فلسطين ولبنان، أظهرت بوضوح عجز الصندوق عن تقديم البديل المناسب الذي يستطيع التعامل مع التحديات المرحلة، ومع الفشل تعود الأمور إلى المربع الأول، أو إلى وضع أسوأ يجعل استعادة الواقع السابق أقصى الطموحات الممكنة، ولا يخفي كثيرون أن العودة إلى ما قبل ثورة يناير في مصر أصبح هدفاً في حد ذاته، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نفسه تحدث عن تأثر الدولة سلبياً بحيث أصبح من المتعذر العودة إلى التوازن السابق على الثورة.

تكشفت القوى المدنية المختلفة تباعاً أثناء الأشهر الأولى بعد الثورة وكانت الحلقة الأضعف تتمثل في الشباب الذين كانوا في مقدمة الصفوف في الميدان، فلم تسعفهم خبرتهم السياسية ليخرجوا من المشهد، ووراءهم خرجت القوى اليسارية والقومية المختلفة، وتصاعدت المعركة حول الصندوق الانتخابي بين الإخوان المسلمين الذي أطلقوا وصف غزوة الصندوق على المعترك الانتخابي وفي المواجهة كانت البيروقراطية التقليدية تدافع عن مواقعها، ومسارات الأحداث معروفة بعد ذلك.

لم تتوفر الديمقراطية في أي بلد عربي بالمعنى الذي يصلح لتحويلها إلى أداة حكم وإدارة وتداول للسلطة،

وكل ما توفر هو نتيجة العملية أي الصندوق من غير التوافر الناضج للمقدمات الضرورية مثل الثقافة التي تصنعها التربية والتعليم والتوعية والإعلام والمؤسسات التي تنضج مع تراكم الخبرات في الممارسة والدروس المستفادة والمحاسبة والنقد الذاتي.

هل يمكن أن يقود الصندوق إلى الديمقراطية؟

الهدف من الصندوق هو إدارة عملية تداول السلطة، وإذا كانت الأطراف التي تتداورها غير ديمقراطية في ممارساتها فالمؤكد أن الديمقراطية لن تنتج من تلقاء نفسها، وعلى العكس من ذلك، ستصبح متعذرة مع الوقت لأن الفكرة الأساسية تتمثل في قبول المعارضة واعتبارها في شراكة عضوية لتحقيق إدارة رشيدة ومتوازنة تستطيع أن تتعامل مع التحديات والفرص من خلال الحوار البناء والتنازلات المدروسة.

الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب تحقيق مستوى من النضج في البنية السياسية القائمة، وخروجاً جريئاً من الرؤية الضيقة التي ترى أن المستقبل محكوم بالضرورة بمعطيات الوضع الراهن، ويتوقف بخضوع عند أشخاص محددين يشكلون سياق المعترك السياسي الذي نعايشه، ويعيش داخل أيديولوجيات لا يمكن الفكاك منها.

لم أنشأ مثل معظم الأردنيين في بيت ديمقراطي، ربما تمتعت ببعض هوامش الحرية أكثر أو أقل من غيري، وتجوالي في مختلف أنحاء المملكة، ومعايشتي للعديد من المجتمعات ومشاهداتي تجعلني مرتاحاً للقول بأننا من الأسرة إلى المدرسة إلى الحياة العملية لا نعيش الديمقراطية ولا نمارسها، وربما تخلصنا من صورة الأب والمعلم المستبدين بوصفهما المحركات الأساسية لتشكيل الشخصية وقناعاتها، ولكننا لم نصل إلى الديمقراطية، ولو وصلنا لها، فهي ديمقراطية غير مسؤولة وغير منتجة لأنها غير منظمة، ولا تمثل سوى استجابة لنماذج وافدة من ثقافات أخرى، وليست منهجاً حياتياً أو نموذجاً فكرياً يمكن البناء عليه.

التحديث السياسي، ربما هو الموضوع الذي كتبت فيه كثيراً، لدرجة إملال القارئ الذي يريد أن يقرأ شيئاً على تماس مع شؤونه الحياتية وهمومه اليومية مثل تكلفة المعيشة، إلا أن الفكرة الأساسية هي المضي في مدى من الزمن يخلق بيئة أكثر فعالية وتمثيلاً في تحديد خيارات المستقبل.

في زحمة الحديث عن الأحزاب والانتخابات بوصفها أدوات للتحديث، تحضر الكثير من الوجوه بصفتها الوظيفية أو بتجربتها التاريخية في العمل السياسي، ولكن الوجه الأكثر أهمية يحضر لدى وزير التربية والتعليم الذي التحق بالحكومة بعد تجربة مهمة في المركز الوطني للمناهج، وما يقدمه من إسهامات ضرورية في تطوير وتحديث المناهج الدراسية، والدور المطلوب هو دمج الممارسة الديمقراطية في المناهج وفي إدارة الغرفة الصفية لتصبح مسألة سلوكية، وهو الأمر الذي يتطلب ورشة عمل وطنية موسعة.

ما الذي يتذكره الأردنيون من مناهج الكيمياء والفيزياء بعد سنوات من إنهاء المدرسة؟ بالنسبة لي أعرف أن العتلة يمكن أن ترفع أثقالاً كبيرة وأن طول العتلة مسألة مهمة، ولكن هذه المعلومة كان جدي يعلمها من غير أن يقصد المدرسة، ولكن ما كان جدي لا يعلمه هو أنه يمكنه أن يشارك في اتخاذ القرار بصورة ايجابية فيما يتعلق بالإدارة في قريتنا الصغيرة وفي مجتمعه الأوسع، وأن نظيره الإنجليزي كان يصوت ضد ونستون تشرشل بعد الحرب العالمية الثانية لأن بطل الحرب لم يكن مناسباً لمرحلة ما بعد الحرب.

لا نريد ديمقراطية نخبوية تعيد إنتاج الوضع القائم بتفاصيل أخرى، وتكون مجرد فلتر تجميلي مثل الذي توفره كاميرات الهواتف النقالة، نتطلع، إلى ديمقراطية حقيقية لا يمكن إلا أن نبني ثقافتها بصورة منظمة ومنهجية، ومن غير ذلك، فنحن نمضي إلى صندوقراطية أثبتت تجربة الربيع العربي أنها ليست الإجابة.