كتاب

قانون عدم المعقولية

في الانظمة الديمقراطية الدستورية هناك ثلاث سلطات رئيسية يتشكل منها هيكل الدولة وهي السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية ومن المؤكد أن لكل سلطة استقلالية عن السلطات الأخرى. وهذا ما يسمى بمبدا (فصل السلطات)، الذي يهدف الى منع تغول سلطة على أخرى منعا للإستبداد وضمانة للحريات «مونتسكيو». وعلى الرغم من هذه الاستقلالية الا أن العلاقة بينهما تتسم بالتكامل، فلكل سلطة مسؤوليتها في مراقبة السلطات الأخرى وفقا لأطر قانونية ينص عليها دستور كل دولة، ودرجة المرونة في العلاقة تختلف من دولة الى آخرى وفقاً لطبيعة نظامها السياسي. وبعيدا عن الدخول في التفاصيل فإن من المعتاد أن تكون العلاقة مابين السلطتين التنفيذية والسلطة التشريعية أقرب واكثر تداخلا منها في علاقتهما مع السلطة القضائية، لانه في الدول البرلمانية النيابية يتم اختيار رئيس الوزراء واعضاء الحكومة من اعضاء السلطة التشريعية (النواب)، لذلك هناك بعض الدول تهتم بشكل كبير في النص دستوريا على بعض الضوابط القانونية التي تمنح السلطة القضائية اكثر استقلالية وتعطيها صلاحيات قضائية تحد او تمنع وتضبط تغول أحد السلطتين على الحريات الديمقراطية، بل وتنشئ محاكم خاصة لهذه الغاية يطلق عليها المحكمة العليا او المحكمة الدستورية.

لست هنا بصدد الحديث عن النظام السياسي (الإسرائيلي) ولكن ومن باب الحياد العلمي والفكري وبعيدا عن الممارسات الإجرامية وحقيقية أن اليمين الإسرائيلي المتطرف المتشدد هو من يحكم (إسرائيل)، فالدولة تخضع لنظام برلماني فيه ضوابط تجعل منها دولة ديمقراطية في نظر العالم، وهناك من سوف ينتقد ما اقوله بأنها دولة تحكمها أحزاب دينية يمينية متطرفة، ولكن هذه حقيقية اللعبة الديمقراطية، ففي كثير من الدول يسيطر فيها اليمين على مفاصل الدولة والامثلة كثيرة لا يتسع المقام للحديث عنها.

وبالعودة الى موضوع مقالنا المتعلق بقانون (عدم المعقولية)، فهذا القانون يمنح أعلى سلطة قضائية (المحكمة العليا) في (إسرائيل)، الحق في وقف سن اي قانون في (الكنسيت) او أي إجراء اوتفسير او قرار من قبل (الحكومة) يؤدي الى المساس بالحقوق أو الواجبات الديمقراطية التي تمس المواطنين من خلال التماس يقدم من أي جهة أو مواطن بهذا الخصوص، كما أن اختصاص هذه المحكمة اوسع بكثير فهي اشبة بالمحكمة الدستورية التي يمكن لها ان تلغي اي تشريع مخالف للدستور.

لقد عملت الحكومة اليمنية المتطرفة على التصويت لتقليص صلاحية للمحكمة العليا يتعديلها للفقرة (4) (التغلب الاسم) الذي يطلق على مشروع » قانون الأحكام (القضاء) استنادا لحق الكنسيت في مراجعة أي قانون باعتمادها على الاغلبية البرلمانية التي تملكها في الكنيست (65) نائبا غير مبالية بالسخط والمعارضة الكبيرة على المستوى الشعبي والرسمي، على الرغم من أن للمحكمة صلاحية الالغاء القوانين غير الدستورية، الا أن للكنسيت ايضاً الحق في اعادة حق التصويت على نفس التعديل واقراره بصفة نهائية، بل أن الحكومة الحالية ومن خلال الكنيست تسعى ايضا للتصويت على تعديل مشروع قانون المحاكم رقم (3) بتغير تركيبة لجنة انتخاب القضاة وآليات التصويت وتعين المستشارين بهدف السيطرة على الجهاز القضائي. والخلاصة فإن هذه التعديلات تهدف لتحجيم دور المحكمة العليا وتمكين اليمين المتطرف من أحكام سطوته على مفاصل الدولة، تمهيدا لمزيد من الهيمنة والضم للأراضي الفلسطينية.

استاذ القانون الدولي العام