تظل شـــخصيات القادة العظام، والرموز التاريخية الكبيرة مســتهدفة من البشـــر، رغم ما يقدمونه ويبذلونه لشـــعوبهم وكأن قدرهم ان يلاقوا وجه ربهم مضرجـين بنجيع دمهم ليكون ثمن اســـتقرارهم في نعيم الدارالباقية. وتظل قوى الشــر والعدوان متعطشـــة للجريمة وحرمان الشــعوب والأمم من جهد المصلحين والعاملين في ســبيل الخير، فلا يروق لهم الاســتقرار ويعز ان يروا عامة الناس وهي ترفل بأســباب الرخاء والطمأنينة.
ولعل هؤلاء الأبطال عرفوا ما ينتظرهم من مصير، فاعتبروه قـدراً محبباً ونهايـة فضلوها على ان يموتوا حتف أنوفهم، وربما ســعوا الى تلك النهايـة بأرجلهم غير هيابين بها، يســتقبلون الموت ويعشــقونـه كما يعشــق غيرهم الحيـاة.
وهكذا كانت قصة الملك المؤسس الشهيد عبدالله الأول ابن الحسين طيب الله ثراه، الذي تماهى عنده الحد بين الموت والحياة، فبذل كل شيء لرفعة شـعبه، يسـتقبلهم ويسـمع اليهم ويحنو عليهم حنو الأب على أبنائـهِ حتى اسـتقر في سـويداء قلوبهم وفي مأقي عيونهم وصار لهم هوى وحبـاً لا يطاق، تحركت مكامن الشـر عند الظلمة المجرمين فشـحذوا مداهم، واخـذوا يعملون في غفلة من الزمن، وتحت جنح الظلام كالخفافيـش ليفجعوا وليزيلوا بهجة النفوس.
كان المغفور له الملك الشـهيد لا يحلو له إلا أن يكون في احضان القدس يتبرك في اجوائها الروحانية، ولم تثنيه عن السـفر إليها والصلاة في رحابها نصائح المحبين الذين يخشـون عليه من غدر الغادرين، فسـار إليها ناوياً الصلاة فيها ليقضي ليلة الخميس في 19 تموز ويصبح فيها مسـتقبلاً الجمعة، ليلتئم شـمل المصلين هناك يتفقدهم ويتفقد الاهالي فيها سـائلاً عن حاجاتهم بعيداً عن الحواجز والحراسـات، كان رحمه الله يصر ألا يحبسـه الحرس عن أبناء شـعبه ويرفض كل تشـديد من الحراسـة مؤمناً بقدره، حتى اذا خطأ الى داخل مسجده اسـتقبلته رصاصات غادرة دبرت من أعـداء الأنسـانية والشـرف، فأسـقطته على تلك الرحاب الطاهرة التى أحب، شـهيداً ليؤدي صلاة الابدية هنالك، وبفقدهِ فقدت الأمتان العربية الاسـلامية واحداً من أبرز المدافعين عن وجودها وحضارتها وقيمها، فحق لإبناء أمتهِ من أقصاها الى اقصاها أن يعلنوا الحداد وان تبكيـهِ القلوب قبل العيون، تبكيـهِ دماً لا دموعاً، ومما كان يعز بالنفس أن مؤامرة دنيئـة أودت بحياة هذا الرجل العظيم جند لها الأشــرار أحد ضعاف النفوس، الذي كان مجرد أداة منفذة خيل له دافعوه أنهم سـيحققوا له حياة مشـرقـة فكان مصيره كمصير أي قاتل تحول لجثة هامدة في الحال غير مأسـوف عليه، أما دافعوه فقد طاردتهم اللعنة فلقوا القصاص العادل في الدنيا وسـيلاقون مصيرهم في الآخـرة.
لقد أعلن الحداد الرسـمي، ورثاه أبناء شـعبه وكل الشـخصيات من عرب ومسـلمين وأجانب، ذاكرين أعماله الجليلة وجرت له مراسـيم تشـيع مهيبة بتاريخ 23 تموز1951م وبقى رمزاً للشـهادة والبطولة والدفاع عن المثل، وعوض الله الامة والوطن خيراً بأعقابه الميامين الذين سـاروا على طريقهِ متمسـكين بقولهِ تعالى (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) صدق الله العظيم نعم ملك مجاهد، عالم، أديب وشـاعر، لقد عرفنا عنه طهر سـيرتـهِ وكريم سـجيتهِ مما يجعلنا وبلا تردد على المبالغة في مدحهِ وإجلال ذكـرهِ وأكثارحمدهِ، وتتزاحم أمامنا الصورالكثيرة التي تنطق بشـفافية نفسـه وطواعية الكلمة للسـانه ورجاحة عقلـهِ ودرايتـهِ المبصرة في حل النزاع وإشـاعة المحبـة والوفـاء بدل الضغينـة والكيد والحكايات التى نعرفها
وهي كثيرة في بطون الكتب وخاصة في الآثار الكامنة في مذكراتـهِ وكتاب رجالات مع الملك عبدالله، كلها تنم عن سـجاياه، فكان ورعاً لابعد حد، مسـتقيماً جعل معنى الاسـتقامة من ذاتـهِ، عازفاً عن امور الدنيا وترهاتها،وممن وصفـه لنا واحد من اولئك الذين وقفوا على حقيقتـهِ وخبروا صفاتـهِ من قرب واطلعوا على مكامن عظمتـهِ وهو المرحوم تيسيرظبيان الذي وصفه بقولهِ (أحببت منه صراحتهِ ودماثتهِ وصلابـة عقيدتـهِ، وأعجبني منه صدق فراسـتهِ ودقـة ملاحظتهِ وسـرعة بديهتـهِ وقوة ذاكرتـهِ وسـلامة طويتهِ وصـفاء سـريرتهِ وحدبـهِ على رعيتـهِ وسـعيهِ لتوحيد أمتهِ، وأكبرت فيه حسـن توكلهِ ورسـوخ ايمانـهِ وحرصهِ على شـعائر دينهِ واسـتهواني وقار مجلسـهِ وطلاقة لسـانهِ وطلاوة حديثـهِ وغزارة علمـهِ وسـعة اطلاعهِ ولا سـيما في الدين والأدب، هذه السـجايا عرفتها بنفسي ووقفت عليها نتيجة اتصالي الوثيق بالفقيد وغشـياني لمجالسـه واسـتماعي لأحاديثـهِ وتصريحاتـهِ وتعليقاتـهِ.)
هذا هو عبدالله الأول ابن الحسـين طيب الله ثراه، قائد من قادة الثورة العربية الكبرى وأميراً على شـرق الأردن، وملكًا على المملكة الأردنية الهاشـمية، عاش شـهيداً ومات شـهيداً ودمه في حرم الأقصى وما زال ينطق بالوطنية، والقومية الصادقة والقيادة الرشـيدة والسـياسة الحكيمة والإيمان والورع التقي وسـيظل، وهكذا هم آل البيت الأطهار آل هاشــم الغرالميامين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
رحم الله عبدالله الأول ابن الحسـين وتغمده برضوانـهِ واسـكنه فسـيح جنانه ومنحـه من عفوهِ وغفرانـهِ وما هو أهـل وما يتكافأ مع حسـن جهادهِ وحسـن نيتـهِ وبلائـهِ في سبيل وطنـهِ وشـعبهِ وأمتـهِ.