من الناحية الشخصية، لا أحمل توقعات مرتفعة تجاه التجربة الحزبية ضمن منظومة الإصلاح السياسي، ولا أبني عليها آمالاً عريضة، ومع ذلك، أبقى من المتحمسين لوضعها حيز التنفيذ، ومنحها الفرصة الكاملة، والعمل على توفير المقومات اللازمة لإنجاحها.
ما الذي سنجنيه من ذلك؟ مرة أخرى لنتذكر أن سقف التوقعات منخفض من الأساس، إلا أن ذلك، سيكون مدخلاً لتحقيق أهم مكتسب في الثقافة السياسية في الأردن، وهو الواقعية السياسية التي تغيبت طويلاً ليظهر ذلك التغيب بوصفه عائقاً أمام جهود الإصلاح والتطوير.
نريد أن نتحدث عن الواقعية، أما البراغماتية، فهي مرحلة متقدمة، يمكن أن نراها في بلد مثل تركيا الذي أثارت الانتخابات الرئاسية الأخيرة فيه المعجبين في الأردن وغيرها، وخاصة من أبناء توهمات العثمانية الجديدة، وإذا تأملنا مسلكيات البرغماتية السياسية في النموذج التركي، يكفي أن نقف على أن صعود رجب طيب أردوغان بتوجهه الإسلامي لم يكن مانعاً أو عائقاً لإزدهار السياحة في تركيا على مقومات يتناقض بعضها بوضوح مع نصوص دينية مؤسسة، لأنه يوجد عشرات الملايين من الأتراك الذي يستفيدون من السياحة وعوائدها، أما المشروع الإسلامي ?لذي يحمله أردوغان فيتأتى على أساس مواجهة المشروع القومي الطوراني المستند إلى العلمانية بوصفها الأداة الفاعلة في تمييع احترام حقوق الأقليات التي تشكل مجتمعة نصف تعداد تركيا.
لنعد إلى الواقعية بوصفها الخلاص من الفانتازيا السياسية، ولا أقول المثالية، لأننا لم نصلها إلى اليوم، وهذه الفانتازيا، تشبه ما يمارسه المشجعون لمباريات كرة القدم أمام الشاشات، حيث يلقون باللائمة على لاعب يمرر الكرة بشكل خاطئ، أو يسددها مرتفعة عن المرمى، وتجد أحد المشجعين منفعلاً في لحظة ما، ويذكر اللاعب الذي يركض على مبعدة آلاف الأميال بضرورة الانتباه إلى زميله في مصيدة التسلل، وعادةً ما تمنح هذه التصرفات غير الواقعية الشخص الذي يمارسها شعوراً بالرضا والامتلاء النفسي، ولكنها لا تغير أي شيء على أرض الواقع، ف?للاعب الذي استمر في الركض لأكثر من ساعة واستهلكت عضلاته وأعصابه، يختلف عن الشخص الذي يجلس متفرجاً في مقهى أو غرفة معيشة.
الأمر نفسه يشبه الشخص الذي يمكنه في جلسة صغيرة أن يقدم حلولاً لقضايا التعليم والزراعة مفترضاً أنه يمتلك ميزانية مفتوحة وافتراضاً بالاستجابة الفورية من جميع المواطنين بصورة متماثلة ومتزامنة، وفي النهاية، يمكنه أن يلقي باللائمة على الحكومات أو المؤسسات التي لا تمتلك الفطنة في أن تطبق خطته المتخيلة.
المشكلة أن الأمر لم يعد مقتصراً على الجلسات المغلقة، ويكفي هاتف متوسط الجودة لتصل هذه الخطط إلى المئات على أقل تقدير، ومع المواهب والإفراط في الانفعالات يمكن أن تجد صداها لدى الآلاف أو عشرات الآلاف، ولكنها لا تختلف كثيراً عن مشاعر وانفعالات متابعي كرة القدم.
الحياة الحزبية والكوتا التي وضعت لتمكين الأحزاب فرصة من أجل أن تتقدم وجوه جديدة بعضها قدمت نقداً واسعاً وأفكاراً جميلة شكلياً لقيامها على تجاهل أو اختزال جميع المعيقات وتهميش دوره، ومع الوقت ستظهر الواقعية السياسية وسيتفهم الفاعلون السياسيون مسألة دور الدولة في إدارة الصراع السياسي بين الفئات المختلفة والوساطة داخله وتحقيق التوازن من خلال التمثيل، فالفانتازيا السياسية المتوطنة والتي تجد مكانها وصداها بصورة واسعة، تفترض بصورة رئيسية وجود ما يمكن وصفه بالمواطن المثالي الذي، وللمصادفة البحتة والكونية، يحمل نف? الآراء التي يتبناها نفس المنظر الفانتازي وله نفس المصالح والأولويات، وهذه قصة أخرى له مقام آخر.