في زمن المنادى بالحرّيّات في أقصى درجاتها، نجد المحرومين من الحرّيّات في أدنى درجاتها، وذلك تناقض عجيبٍ، يدعو إلى الاستياء مرّةً، وإلى الاشمئزاز مرّاتٍ ومرَّاتٍ.
فما ذنْبِ الطفلِ الجائع الذي وُلِدَ لأبوينِ فقيرين في أحد مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين –مثلا-؟. هل لأنه ولد على أرض آبائه وأجداده؟. أمْ لأنّ الطفلَ شبَّ على حبّ الحياة، وكراهية المترايس ونقاط التفتيش؟. أمْ أنّ اضطهاد أبناء فلسطين بقي ليذكّرنا يوم كان الإنسانُ يتجبّر بأخيه الإنسان؟!!. ما أشنعها من ذكريات!!. لكنها حاضرة هنا في مخيّم جنين.
وما من شكٍّ أنّ العالَمَ أجمع سمع ورأى ما جرى في جنين ومخيّمها، وأكيدٌ أنّ كثيرا من الناس عادوا بذاكرتهم عشرين عامًا حيث إنّ التاريخ أعاد نفسه في جنين، وما أشبه خرابُ اليوم بخراب الأمسِ، وما أشبه الأنين بالأنين، إلا أنّ القيدَ لم ينكسر والليل لم ينجلِ.
ففي ليلة ظلماء اشتدّ الظلم فيها على أهل فلسطين، وتحديدا على أهالي مخيم اللاجئين في جنين، حينما تحرّكت القوى غير المتكافئة بقوّتها وجبروتها، نحو الضعيف المقهور الآمن، دون تفريق بين النساء والأطفال والمرضى والعجزة وغيرهم، في صورة متكررة من القوة العسكرية الإسرائيلية المجهزة بأحدث التقنيات والمجنزرات، التي تُهلك الحرثَ والنسلَ، وتحرثُ الشوارع المنفذ الوحيد، للغذاء والدواء وإخلاء الجرحى، وتلك صورة بشعة لا يرتضيها العالَمُ المتحضّر، ولا الحضارة الإنسانية التي تتبجّح بفتح بوابة الحرّيّات على أقصى مصراعيها.
ففي مخيّم جنين.. جَنينٌ ينتظر النُّورَ، كيْ يدلف إلى هذه الدّنيا، ولكنه يولد في اليوم الذي قُتِلَ فيه أبوه، فأيّ حياة تنتظر الجَنينَ في جِنينَ؟. وأطفال لا يعرفون الابتسامة، حيث عاشوا حياتهم بين جدران المخيّمِ، وفي أزقّته وشوارعه التي يألفون فيها رؤية المجنزرات وهديرها، فأين الطفولة وأين ابتسامتها؟. أمْ أنّ حقوق الطفل لا تعرف مخيّم جنين على خريطة العالم!!.
وأمّا نساء المخيّم.. فالمرأة هناك مغلوبة على أمرها، كباقي نساء فلسطين، والأسى يلفّ حياتها، ويكتنها الصبر والسلوان على فقدان لأب والابن والزوج والأخ، فما بال المناداة بحقوق المرأة تنسى أنّ في فلسطين نساء لا يعرفن الحقوق حيث هضمتها ماكينة الاحتلال.
وفي جنين.. أشلاءٌ ممزّقة، ونيرانٌ تعبث بأمن الآمنين، وقيودٌ تكبّل الشباب والشيّاب، وطائرات تقصف بيوتًا هشّة، وتهدم مساجد محرّمٌ دوليًّا الاعتداء عليها، وأشجار مقلّعة وأزهار مسحوقة يُمنع أن يراها أهل المخيّم، وطرقات لا تتسع لنفسها.. ومع ذلك كلّه هم متشبثون بالأرض متمسكون بالقضية.. وهنا هم باقون وعلى العهد ماضون.
في مخيّم جنين.. الأسى في الاجتياح بين الفينة والأخرى، يقطع أوصال أهل المخيّم، ويعلو الأنين الذي يسمعه شرفاء العالم، ودمارٌ يراه المنصفون.. فأين هم المنصفون؟.
في مخيّم جنين.. الحنين للحظة لمّ الشمل منذ سبعين عامًا، قضى على تلك اللحظة اختراق المخيّم بالماكينة العسكرية، بحجّةٍ أنّ هناك من يمتلك سلاحا، يهدد أمنَ الإسرائيليين، ولا نعجب من تضخيم حجم ذلك السلاح، فقد مضى استعمار كان يحكم بالإعدام على من يحمل الخنجر، إنها لغة القوّة التي تتكلّم بها الصهيونية العالمية.
رحم اللهُ شهداء جنين، وخفف اللهُ عن المصابين مصابهم.. آمين.
محمد عبدالجبار الزبن