كتاب

تخطيط القوى العاملة في منظومة الإصلاح الاقتصادي

متابعة التصنيفات المتعلقة بالأردن مسألة مهمة للغاية، ولكنها ليست حاسمة في التخطيط الاستراتيجي وبناء رؤية للمستقبل، وربما كان ذلك حاضراً في الورش الاقتصادية التي عقدت من أجل العمل على مسيرة الإصلاح الاقتصادي، والتي تعتبر الورش جميعها من حيث المبدأ «تأهيلية» ولكنها لا تضمن النتائج المرجوة في حد ذاتها، الأمر يشبه ما يحدث في الجامعات عند الالتحاق بتخصص جديد ووضع المواد «الاستدراكية»، ومن يريد تسويق الورش الاقتصادية بوصفها الحل «الجامع المانع» لمعضلة الإصلاح الاقتصادي يقف بسوء أو حسن نية أمام تحقيق الإصلاح المأ?ول.

ما وضعناه من فرضيات للإصلاح الاقتصادي يعبر عن التفاعلات الجارية حالياً، والشروط الحاكمة للعلاقات الاقتصادية المحلية والإقليمية والدولية، وجميعها ستكون عرضةً لتغييرات متسارعة في المستقبل القريب، ومن أهمها التغيرات في قوانين الهجرة وآخرها في ألمانيا نتيجة المشكلات المتعلقة بالظاهرة الشيخوخة في المجتمعات الغربية، وقبل فترة ليست بالبعيدة توجه البابا فرنسيس أيضاً إلى بناء استراتيجيات للهجرة في كل من ايطاليا واسبانيا تشابه القائمة في الدول الاسكندنافية.

قبل أن نستكمل، ولضرورة الاعترافات في تشخيص أي شأن وطني، والعمل على تقديم الحلول، فالأردن أفرط في تصدير أفضل الكوادر البشرية إلى دول الخليج والولايات المتحدة لعقود عدة من الزمن، لدرجة أن بعضاً من التخصصات، وخلافاً للمعتقد الواسع، لم تكن تحظى بالكثافة اللازمة من الكفاءات من أجل التقدم وتحقيق نهضة قطاعية، وعلى الرغم من وجود ما يكفي من الموظفين وغيرهم ممن ينتظرون، إلا أن الأكثر تميزاً كانوا يسافرون للخارج في هجرة دائمة، أو يستقرون لسنوات تعتبر ذروة عطائهم الإنتاجي، وبالتالي، حدثت عملية التفريغ على مستوى القياد?ت، أو اضطرت المؤسسات الأردنية في القطاع الخاص إلى استرداد بضاعتها من خلال تقديم رواتب منافسة، وهو ما لم تستطع المؤسسات الحكومية أن تطبقه، ودفعت الثمن في وجود مظاهر اختلالات في مجال مثل العطاءات الكبرى.

هذه الحالة مرشحة للتكرار، فالشباب الأردني سيندفع وفي مختلف وشتى القطاعات للحصول على فرص للهجرة أصبحت مواتيةً أكثر من الماضي، وسيبقى الأردن بحاجة إلى كوادر مؤهلة وكفؤة من أجل الاستفادة من الفرصة السكانية، وبالتالي، يجب أن يظهر تخطيط القوى العاملة وتحديد الاحتياجات وترتيب الأولويات على أساسها مرفقة بالحوافز أمراً أساسياً ويجب أن يسير بسرعة تتجاوز المتغيرات، فالقوى العاملة ستصبح مع الوقت أمراً يمكن استكشافه مثل الموارد الطبيعية الأخرى، ومن الأساس تتواجد المؤشرات اللازمة للقياس والمتابعة والرصد لدى المستثمرين ?المخططين الاستراتيجيين.

في الفترة الأخيرة كشفت عملاق التكنولوجيا الأمريكي شركة آبل أن وجودها في الصين مسألة لم تعد متعلقة بالوفر في تكلفة العمالة، فالعمالة الصينية الرخيصة وخاصة في مجال المهندسين أصبحت أمراً من الماضي، ولكن توفر العمالة في مكان واحد وبشكل متصل ووجود الجامعات التي يمكن أن ترفد احتياجات الشركة بالكوادر المطلوبة.

الأردن الذي يحظى بسمعة كبيرة في مجال الخدمات الصحية يقف على أرضية فرصة كبيرة، ولننتبه بأن الوصف هو الخدمات الصحية وليس الطبية، فهذه مسألة والصحة بمفهومها الشمولي مسألة أخرى تضم اخصائيي التربية للاحتياجات الخاصة، ورعاية الأطفال وكبار السن، وهذا القطاع المساند، وفي مقدمته قطاع التمريض يشكل مصدراً كبيراً لمستقبل الأردن، سواء من خلال الهجرة الجزئية أو الكلية التي تبقي التواصل لأجيال متعددة، أو تعاقدات العمل طويلة الأجل.

في الاقتصاد علينا أن نتساءل عن الحافز، ما الحافز الذي يمكن أن نقدمه للطلبة الذين لا ينظرون للخيار التمريضي بصورة جدية، أو أخصائيي الاحتياجات الخاصة الذين يخشون من الدخول في دوامة المدارس الخاصة وانفلاتها من دوامة الانضباط العضوي مع بقية المنظومة الاقتصادية؟

هذه مسألة يمكن أن يعبر عنها تعزيز المكانة الاجتماعية لهذه المهن، وتعميق الشعور الذي يستحقه أصحابها بما يقدمونه للمجتمع ككل، وهنا دور التربية والتعليم والإعلام، وحوافز أخرى تتمثل في زيادة الطاقة الاستيعابية في الجامعات وتخفيض تكلفة الدراسة والاستثمار في تكنولوجيا التعليم والتدريب، وهذا دور التحديث الاقتصادي عندما يوضع في إطار منهجي.