كتاب

تكلفة الاستقرار وحسابات جديدة مطلوبة

صبيحة اليوم التالي لتفجيرات عمان 2005 كان المخرج العالمي مصطفى العقاد في المستشفى متأثراً بإصابته في العمل الإرهابي الجبان، يومها وقف الدكتور يوسف القسوس، وتحدث بهدوء مبيناً أن حالة العقاد مستقرة، فسألته هل نتفاءل؟ ليجيبني بوقار، الاستقرار يعني أن حالة المريض لا تتحسن ولا تسوء، ولا تعني شيئاً ايجابياً أو سلبياً، من ذلك، اليوم، أخذ توصيف الاستقرار يرتبط بالحذر في مخيلتي كلما قرأته أو سمعته.

لا يمكن أن نقول في هذه المرحلة، وبعد فترة أكثر من كافية من عمر الحكومة الراهنة، إلا أنها تمكنت من المحافظة على حالة مستقرة، ولنقل، بأن ذلك كان شيئاً ايجابياً، فالحكومة تولت مهامها بعد أن بدأ وباء كورونا يتوسع بصورة عدوانية، وتحملت التكلفة المرحلة من حكومة سبقتها اعتمدت على الاختباء في تعقيدات المصفوفات، وأتت تعهدات رئيس الحكومة بعدم التوسع في المديونية على الإغراءات المقدمة في ذلك الوقت من تسهيلات دولية، لتقيد سلوك المديونية التي اتخذت المنحى الصعودي المقلق منذ سنة 2016.

التعامل مع الأزمة كان يعطي الحكومة زخماً داخلياً ويخلق الدافع من أجل ترتيب الأمور، ويؤجل أسئلة كبيرة عن المرحلة المقبلة؛ فالخروج بأقل قدر من الخسائر، والانسلال التكتيكي والتدريجي من قانون الدفاع لتجنب التأزمات الاجتماعية، جميعها أولويات جعلت أي سؤال عن طريقنا بعد خمس أو عشر سنوات خارج ورقة الامتحان.

ورشة سياسية وأخرى اقتصادية، جعلت الحكومة ترتب أحجارها على رقعة الشطرنج، وتتواتر الأسابيع وراء بعضها من غير النقلة الأولى، من غير مشروع يستطيع أن يستغل فرصة مواتية تمثلت في شعور حقيقي بالاستقرار يمكن أن يقنع أبناء جيلي، فيما شاهدوه وتابعوه من إشارات ورسائل مطمئنة، ولكنها لا تعني الكثير، أو لا تعني شيئاً، بالنسبة لأي شاب ينتظر فرصة عمل تماطله.

نحمد الله عزوجل ونشكره أن هذه البلد لا تعاني من حالة تعبئة لمواجهة وحوش مثل التطرف والإرهاب دفعت شباباً في عمر الزهور ليدخلوا سنوات من التجنيد في حروب تبدو من غير نهاية، ونحمد الله، أن الروافع الاجتماعية، وما يتوفر من تكافلية اقتصادية ما زالت تحول من غير أن نفجع بمرأى شبابنا على قوارب متهالكة يراهنون بأعمارهم من أجل الوصول إلى الشاطئ الجنوبي من المتوسط، وهذه قيمة الاستقرار التي لا يراها أحد.

يمكن أن البعض يمكنه أن ينظر ببساطة أن الأردن محصن، لأن أحداً لن يسمح بتوتر المنطقة الساخنة على الحدود مع (إسرائيل)، ومع ذلك، ألم يتطلب المحافظة على هذه الوضعية أن نمشي على سلك مشدود وعلى ارتفاع كبير من أجل استثمار هذه الحالة، وعلى العكس، فبعد اجهاض الأردن لتصورات نتنياهو وريتشارد بيرل في ورقتهما المشتركة 1996 «القطيعة النظيفة: استراتيجية جديدة لتأمين الحدود»، أصبحت اسرائيل أكثر استعداداً لرؤية الأردن بوصفه معطلاً تجاه مشروعاتها الإقليمية.

من جديد، الحالة مستقرة، الحمد لله، ولكن نريد أن نخرج من غرفة الطوارئ، أن نتحرك وأن نعود إلى العمل، أن نتخذ خطوات ثورية على مستوى الجامعات، يوجد تحرك ايجابي في خانة التصنيفات والاعترافات، ولكن ذلك ليس كافياً، نريد استعادة سمعة تعليمنا، نريد برامج جدية للقبول الجامعي، العالم أمام أزمة التقدم في متوسط العمر يريد أطباء وممرضين وفنيي أشعة ومختبرات، فلنغلق كليات العلوم السياسية ونكتفي بواحدة في أي جامعة، العالم يريد خبراء في الزراعة، ما الذي سنجنيه من تخصصات الموضة التي تستهدف التسجيل لسد الأزمات المالية للجامعا?.

نريد أن تستكمل المشاريع المتوقفة في عمان، ونريد أن يتم استثمار الأراضي الخالية في مشاريع سياحية، فلتفرض ضرائب باهظة على أصحاب قطع الأراضي غير المستغلة في مناطق حيوية، بدلاً من استمرار التركيز على جيوب الموظفين، فبعضهم يعيش أصلاً خارج الأردن ويستمتع باكتناز القيمة الاستثمارية، ولا يدفع أمواله في السوق من أجل أن تتحول إلى جزء من معيشة المجتمع.

ألا يمكن أن يطلب الرئيس من أمانة عمان قبل نهاية العام أن تنتهي من خطتها لأبراج السادس؟ بدلاً من أن يظل المشروع بأكمله شاهداً على هذه الحالة من الاستقرار حيث لا مؤشر سلبيا يدفع لحالة تحفيز، ولا ايجابيا يمنح جرعة من أمل.

لنترك معنى الاستقرار الطبي وندخل في فكرة الاستقرار الاقتصادي الذي يتطلب أن نحرك النمو بطريقة تستوعب التفاعلات التي تحدث وتجري وتتواصل اجتماعياً وسياسياً. والاستقرار على قيمته وأولويته وليسا موضوعاً لتشكبك أو نقاش، يجب أن يبقى مبرراً من أجل التقدم بخطوات واثقة للأمام لا مجالاً للتشبث به، لأن مستوى الاستقرار في وسط غير مستقر، إقليمياً ودولياً، يصبح أحياناً عائقاً، وكم من خطوات جريئة تتخذ في دول الخليج العربي على مستويات كانت تعتبر مفروشة بالمخاوف ومغلفة بالمحاذير قبل سنوات قليلة؟

ربما أصبح الوقت مواتياً، والحاجة ملحةً إلى حركة جريئة، وربما بالحصان من أجل السيطرة على الرقعة التي تبدو مهيأة من أجل خطوات طموحة.