الأدباء منذورون لأن يحملوا كلّ الحياة على أكتافهم، فيبلوا في هذا المجال أو ذاك بلاءً أكثر من حسن، من حيث أنّهم يتوزّعون على الكثير من المساحات، فتظلّ في جوانحهم بذرة الأمل والفكرة التي لا تفارقهم حتى يموتوا، ليتركوها وديعةً في من يليهم، فهم من يضفون على الفكرة السياسيّة رومانسيّتها وحسّها الإنسانيّ وآفاقها، فحيثما وجدتَ أديبًا في أيّ مساحةٍ من مساحات العطاء فخذ منه ما استطعت، لأنّ هؤلاء فئة تظلّ تحلم بالأجمل وتحمل في أيدٍ قليلة ما استطاعت من شموع تخبو وتضيء أمام رياح ليلٍ طويل يظلّ يتجدد، ولذلك كانوا أخلص في النصيحة وأكثر عرضةً للبكاء الداخليّ في كلّ ما يواجهونه من مشاقّ، هكذا كان قدرهم وسيظلُّ، فهم الذين يفلسفون الحياة ليعيش كلّ الناس أحلامهم فيسعدوا في سنوات محدودة مهما طالت، تسمّى العمر.
والمرحوم الشاعر علي الفزاع، كان أحد هذه المنارات التي لم تكن لتنطفئ حتى ينام جميع الناس على أحلامهم ويتقلّبون على سعادةٍ وهناء، فيما هو ورفاقه يتحملون آلامهم ويكتبون ويكتبون ويكتبون، حتى إذا استأذنتهم الحروف في أن تلتقط بعض أنفاسها، جعلوا مصابيحهم مواربةً بين الصّحو والنوم، تنوس قليلًا، لتعطي المهمّة للنجوم والقمر والسماء الواسعة التي تظلّ بين أعين الأديب في سبيل يومٍ جديد فيه يستريح الناس.
في مطلع التسعينات، قُدّر للأديب الشاعر والمعلّم والناقد علي الفزاع أن يكون إلى جانب الهاشميين، في ديوانهم الملكيّ العامر، فيقبس من مدرسة الحسين بن طلال رحمه الله الفكر والسياسة، فيمتزج لديه الحسّ الإنسانيّ الذي نشأ عليه في دواوينه وأشعاره وشعوره بالبسطاء من الناس في حركتهم اليوميّة وتفاصيل شقائهم ومتاعبهم وهم يركضون وراء الحياة،.. حينها انعكس وجوده المؤسسي على فئته المستهدفة في عمله بدائرة الإعلام والعلاقات العامّة في الديوان الملكي، وفي عمله من قبل مديرًا للشؤون الثقافيّة والتوجيه الوطني في وزارة الشباب ومستشارًا لوزير الشباب، وقبل ذلك مراقبًا للبرامج الثقافيّة والاجتماعيّة والدراما في الإذاعة والتلفزيون الأردنيّ، ورئيسًا للقسم الثقافيّ هناك، ومعدّ برامج ومقدّمها أيضًا، وقبل كلّ ذلك في عمله معلّمًا في وزارة التربية والتعليم،.. وكلّ ذلك جعله يوازن بين الحالة الشعريّة الرومانسيّة والفكرة العمليّة التي تحقق حلم الطيف الإنساني الذي ظل يلحّ عليه ولم يكن لينفكّ عنه، حتّى تُوّج كلّ ذلك في رحاب مدرسة جلالة الملك عبدالله الثاني الذي آمن بالفكر والثقافة ودورهما في الحياة، فوجّه جلالته بأن يكون الفزاع مستشاره الخاصّ، ويكون العطاء بحجم الثقة الكبيرة التي أدرك الفزاع مسؤوليّتها ووفّى بالتزاماتها، حتى قضى الله أن يرحل عن دنيانا مطلع حزيران 2023.
علي الفزاع العواملة، الشاعر والسياسيّ خرج إلى الدنيا عام 1954 ليكبر مثل أيّ شابٍ سلطي طموح، ميمّمًا نحو الجامعة الأردنيّة فيحصل عام 1977 على إجازة الآداب، فماجستير الأدب والنقد مطلع الثمانينات، ليعضد هذا الشاب الأديب مشاهدَه الإنسانيّة ومواهبه الأدبيّة في الشعر بالدراسة والقراءة، وله في الدراسة ومشاقّها وظروفها قصص طريفة أخذها عنه جلساؤه في ساعة صفاء واستعادة لأيّام انقضت وبقيت منها ذكرياته التي كان يرويها للأصدقاء رواية المعتزّ بها والحافظ لتفاصيلها، يوم كان الأديب- أيّ أديب- ينشأ بين الناس فيلبس أقنعة الشعر والأدب للتعبير عنهم وبيان حالهم والاحتفاء بهم- وفي عناوين دواوين الفزّاع ما يضيئ على الجراح والهموم ورؤية الحال، من مثل «نبوءة الليل الأخير»، و«الخروج من جزيرة الضباب»، و«مرثيّة للمحطة الثالثة»، و«الرهان الأخير»، وهي عناوين تدلّ على انخراطه العضوي في مجتمعه وناسه ومحيطه العربيّ والقومي، حتى في مؤلفاته الأدبيّة، كما في دراسته القيّمة عن الفنّ القصصي لجبرا إبراهيم جبرا، وكذلك عمله المسرحيّ اللافت «ملعون أبو المصاري».
لم يكن علي الفزاع بعيدًا في كلّ هذا عن رابطة الكتاب الأردنيين مثقّفًا وحاملًا بالأدب هموم ومطامح أوسع، ففي رحابها كان صهيل شعره في كلّ مكان، إذ كان رئيس لجنة الشعر في مهرجان جرش للثقافة والفنون، أمّا جريدة الرأي فكانت حاضنةً لإبداعاته وزفراته، أسوةً بمبدعين خرجوا من عباءتها الأصيلة نحو آفاق الحياة ورحابة الأدب والسياسة والفكر والشعر والفنّ، وقد استطاع علي الفزاع أن يصنع ذائقةً طيّبةً من الشباب والناشئة في عمله بالإذاعة الأردنيّة مستصفيًا الإبداعات ذات المستقبل ومبشّرًا باللافت منها ليضيف إلى رصيده الوطنيّ والإنسانيّ الكثير من النسخ المبدعة المجلّية والمحلّقة في الأدب وفنونه بين هنا وهناك.
نال علي الفزاع جائزة الدولة التقديرية في الأدب عام 1990، وهي جائزة أكّدت حضوره، لا سيّما وقد نال في الثمانينات جائزة أفضل شاعر تخرّج في الجامعة الأردنيّة بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها، وكذلك جائزة أفضل قصيدة عربيّة عن الانتفاضة الفلسطينية أواخر الثمانينات، ومن بعد استحقّ أوسمة: الكوكب الأردني من الدرجة الأولى عام 2005، ووسام الاستقلال الأردني من الدرجة الأولى عام 1999، ووسام الفارس الدنماركي الملكي عام 1998.
مسيرة حافلة بالعطاء، تدفعنا حتمًا لقراءة شواهد نتمثّل بها من شعر الفزاع وتقنياته ومدرسته الفنيّة وما كُتب عنه من دراسات، فيظلّ الأثر حاضرًا حتى وإن غاب صاحبه، فعلى روحك السلام وأنت تنضمّ إلى قافلة الذاهبين من الأدباء والمفكرين والسياسيين والاقتصاديين وأصحاب الرؤى الواثقة والرياديّة في هذه الحياة.