قبل أعوام، طرحت إحدى صحف المهجر العربية سؤالا على عدد من المثقفين العرب، حول «المدينة العربية الآن»، وفيما إذا كانت الحياة في «المدينة العربية» اليوم حياة سعيدة أم شَقيّة. وعلى الرغم مما يبدو في ظاهر السؤال من «تَرَف»، سيما وأنه جاء على خلفية ضجّة أثارها أحد المثقفين العرب عن بيروت، فإنّ السؤال يستحقّ أن يبقى مفتوحا على حوارات جادّة.
في البدء، كان رأيي إنّه تصعب الإجابة الموضوعية على السؤال المطروح، حول حاضر المدينة العربية اليوم، من حيث العمران، والوظيفة الاجتماعية والدور الثقافي. وما يزيد الأمر صعوبة هي تفرّعات السؤال، الصارمة، حول المشروع الحضاري للمدينة العربية، وعن شقائها وسعادتها كمكان لساكنيها. ولا تكمن صعوبة الإجابة في المساحة المخصّصة للحوار فحسب، بل في طبيعة السؤال، الذي يعيدك إلى إنسان المدينة العربية، وحياته الاجتماعية، وثقافته ووعيه، بما يحمله ذلك من تعقيد وتشابك، يُفضي إلى الحديث عن واقع الإنسان العربي ومجتمعاته، وظروفها ?لسياسية والاقتصادية. يضاف إلى ذلك الفروقات الموجودة في الطبائع والأسباب والمشكلات، بين المدن، التي يجري الحديث عنها، وعن واقعها.
بقليل من الانتباه، سنكتشف أن الحديث يجري، ضمناً، عن عواصم عربية، أكثر منه عن المدن العربية، وهو ما ينقل الموضوع برمته إلى جانب آخر، ذي طابع سياسي أكثر مما هو ثقافي أو عمراني أو اجتماعي. لهذه الأسباب ولغيرها، ولخطورة هذا السؤال وأهميته، وارتباطه المباشر بكل أسئلة الحياة للمواطن العربي، فإنّ مقاربته الموضوعية تقضي بالتروّي، أولا، وتعميق التساؤل، باقتراح أسئلة تفصيلية منه وعنه، في محاولة الإجابة، تُبقيه مفتوحا على أسئلة الحياة والواقع، الذي يعيشه الإنسان العربي في مدينته اليوم.
بالعودة إلى واقع مدن المشرق العربي، وهي في معظمها، مدن تشكّل سكانها من مجموعات لا تربطها رابطة الانتماء للمدينة نفسها، وإنما تجمعها علاقات أوثق من العلاقات المدينية. وبعض هذه العلاقات أوسع من المدينة، كالدين والعرق، وبعضها خارج عنها (وأحيانا مُعاد لها، ربما) كالقبيلة، وبعضها أصغر من المدينة، كالحارة والزقاق والمهنة. وهو ما حَكَم النموّ اللاحق للمدينة العربية، في ظل غياب تخطيط بشري وثقافي، يَعي هذا التكوّن والنمو المرافق له. فقد ظلّت غالبية سكان المدينة العربية تنتمي، في حياتها وحنينها، إلى القرى والأقاليم ?لتي جاءت منها، وهو ما تؤكده خرائط الانتخابات العامة، التي جرت وما تزال تجري، في أكثر من مدينة عربية. وبهذا المعنى، فإنّ المدينة تتحدّد، بالنسبة لغالبية سكانها، بمكان إقامة فقط..! بمعنى آخر، فإنّ المجتمع المديني العربي، في تاريخه الحديث، أي بعد أن وَعى وأدرك هويته العربية والقومية، وموقعه الإنساني، ودخلَ عصرَ الحداثة بخُطى بدأت متعثّرة، وازدادت تعثّراً، هذا المجتمع فشل في إنشاء مؤسسات مدنية (ومدينية) ناظمة لفراغه المعيشي، وممثّلة لمختلف فئاته، في علاقاتها بعضها ببعض، وفي إحساسها المشترك بالانتماء لمدينتها و?سؤوليتها عنها. هذا الفشل، بالإضافة إلى أسباب أخرى، سياسية وتاريخية، قادَ إلى خلل وتشويه في وضوح فكرة المواطنة عند ساكن المدينة العربية، ما أدّى إلى مزيد من الاغتراب عن مكان الإقامة والعيش، أو في أفضل الحالات الحياد واللامبالاة.
ثمّةَ قصور في وَعي المواطن لمواطنته، وتعميق يتزايد لغربته، عبر عدم تمكّنه من التعبير عن هذا الإحساس، من خلال قنوات يفترض أن تكون طبيعية وعادية. وثمّة لُهاث مَحموم، في حياة نَاس المدينة العربية، رَكضاً وراءَ عَيشٍ تستعصي فيه «الُّلقمة» لتصير سراباً في مدن «إقامة..»، يُصابُ أصحابها بالذُّعرِ، فجأةَ، بتحوّلها إلى مدن «قيامة..»!