كتبه:
في أواخر سبعينيات القرن العشرين، كانت بوادر الأمل تتزايد في التفاف عربيّ حول الذات، ومحاولة تبديد الصراعات ذات الأبعاد السرابية، والسعي الرشيد في تفكيك أبراج المراقبة والترقب، وتحويلها إلى منارات تضيء الطريق أمام الأجيال الصاعدة. وكانت الأردنّ يومها – وما زالت- تسعى جاهدة لتعزيز أواصر المحبّة في الوطن العربيّ.
ومع أنّ الأردنّ يقف على جمر القضيّة الفلسطينية بكلّ جسارة، على أمل أن تتقدم القضية خطوات نحو الأفق الصاعد والأمل المتصاعد، إلا أنّ الأردنّ لم ولن يتخلّى عن دوره الذي أقامه الله فيه –تشريفا وتكليفا-، وليس ذلك على صعيد القيادة فحسب، بل على الصعيد الشعبيّ الذي امتلأ حبًّا لفلسطين وللأمتين العربية والإسلامية، فضلا عن محبة الإنسانية كأنموذج على بلدٍ يتكلم جميع لغات المودّة.
ومن الموروث الشعبي أوائل الثمانينات حيث شهدت العديد من التحالفات العربية، انطلقت مقولة: «الأرض بتتكلم عربي»، وعشنا آنذاك العديد من البوادر لاستمرار اهتزاز الأرض طربا على الزهور العربية وهي تتفرع على حدود الوطن، من الشام لبغدان ومن مصر إلى يمن ومن الخليج إلى تطوان.
ومع أننا أخذنا جولة واسعة من اللقاء، على حلبة الصراع الداخليّ في هذا الوطن الذي تجمع بينها عشرات الجذور والحقائق ووالأحلام، في اثلاثين سنة الماضية، إلا أننا ما زلنا نأمل أن لا تنسى الأرضُ لغتَها وأن تبقى تردد نسائم الإخاء بينها.
واليوم نعيش ما بعد مرحلة الإنهاك والانهداد من تجارب مأساوية، اشتملت على صراع بين الأخ وأخيه ليس في بلد واحد عربيّ فحسب، بل في المدينة والقرية، ويكأني بهم بعد فريضة صلاة الجمعة وعلى باب الجامع الواحد نشب بينهم الخلاف، فهل هذا ما أعقبه ميثاق ربّ العالمين: ((إنَّمَا المؤنون إخوة))؟ أم هي صفات المؤمنين: (في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد)؟.
فهل سنعيش مرحلة نعفو بها عن زمنٍ تكالبتنا الأهواء، وفرقتنا الخلافات، وجمع شملنا الشتات، لنجمع شملنا في وطنٍ يحسده على العالم على مكانه ومكانته، أم أننا نسينا كثيرا مما ورثناه من أمجادنا عن أجدادنا؟. وهل ستعود الأرض: «تتكلّم عربيّ"؟. فلغة الضاد تجمعنا بغسّان وعدنان.
لا ينبغي أن أذكُرً أو أذكِّر بالصراعات التي قامت أو ما زالت قائمة، فتلك دروسٌ ومواقف يحفظها الصغار ويحار بها الكبار، ولكنني سأذكّر بواجب الكلمة الطيبة وخصوصا ممن أولاهم الله الرضا والقَبول بين الناس، فينشر الفألَ، ويُحجم عن الشؤم، ويدلّ الناسَ على أماكن الأمان ليخرجوا من الخوف، ويشير إلى ربوة المصالحةوالمصافحة بعيدا عن الوادي السحيق الذي انزلقت وزلّت به الأقدام.
فكم هو أملنا أن نجد ثمار «بيان عمّان»، تضفي بظلالها على ما مضى من ضباب فينقشع، ومن قطيعة فتنقطع، ومن جدبٍ فينبت الزرع ويسقي الضرع، وتنفتح التجارات بعد خروج من نفق الخلافات.
كما هو الأمل أن نجد في «لقاء جدّة» مخرجًا للخلافات في بلد عربيّ عزيز، فيسلكون الجادّة نحو الوفاق وحقن الدماء.
نعم.. لقد سئمنا في الوطن العربيّ مسلسل النزاعات المناطقية غير المنطقية، والخلافات التي جعلتنا في تخلف وخلف القافلة دوما، ونحن أهل أرضٍ «بتتكلّم عربي»، فهل ستشرق شمسُ الطمأنينة على عموم وطنٍ يجمعنا فيه: الإيمان والقرآن والإنسان؟.