كتاب

الفصل السوري في نظرية الأمن الإقليمي الأردني

لفت وزير الخارجية السعودي الأسبق الأمير سعود الفيصل صعوبة التعامل مع إسرائيل في محادثات سلام بسبب اتساع نظرية الأمن الإسرائيلية من حوض نهر السند شرقاً إلى سواحل الأطلسي غرباً، وهو نطاق مبالغ فيه بطريقة مستفزة وغير عملية، خاصة مع مقارنته بنطاق النظرية التركية في دول الجوار والبلقان ووسط آسيا، أو المصري من منابع النيل مع فلسطين وليبيا٠

التأمل في نظرية الأمن بمعناها الإقليمي في الأردن يجدها أكثر تواضعاً ومحدودية مع مستوى مرتفع نسبياً من التعقيد والديناميكية، وهي إذا تنحصر في دول الجوار المباشر في العراق وسوريا والسعودية، والحدود مع السلطة الوطنية الفلسطينية و(إسرائيل)، إلا أن انفتاح العراق وسوريا على مخاطر جسيمة وتهديدات عميقة في السنوات الأخيرة، أنتج تصورات جديدة لأمن الأردن.

أدوات الأمن الإقليمي لا تتوقف عند المعالجة العسكرية، وعلى العكس من ذلك فهي المحطة الأخيرة والبعيدة على الدوام، ولم يقاربها الأردن إلا في عمليات محدودة بعد تفجيرات عمان واستشهاد الطيار معاذ الكساسبة، وتبقى أدوات القوة الناعمة التي تشكل يداً أردنية معطلة ولا يجب أن تبقى كذلك طويلاً، وبين الحدين الدبلوماسية الأردنية.

شهد الفعل الدبلوماسي الأردني تحديات كبيرة في السنوات السابقة وخاصة مع استفحال سياسة المحاور العربية وتأثيراتها، وكانت الأزمة السورية أكبر التجليات وأكثرها صعوبة، ولذلك حاول الأردن أن يتمسك بمواقف عقلانية ومتحفظة، وتحمل أعباء الحدود المضطربة من غير الانسياق إلى أية حلول يمكن أن تؤثر بصورة عميقة على هامش الاستقرار الذي يريده الأردن لجارته الشمالية.

بعد تأمل مسارات الأحداث في الأشهر الأخيرة بدأت ثمار الموقف الأردني في الظهور، بدأت تتشكل قناعة حول قيمة الاستقرار وأهميته، وبذلك يدخل الأردن في أكثر من مبادرة لتعزيز فرصة الحل السياسي في سوريا، وكان آخرها وأكثرها مباشرة الاجتماع التشاوري في عمان بحضور وزراء خارجية الأردن وسوريا مع السعودية ومصر والعراق، وقبله كان اجتماع مطول ومتعدد المحاور بين وزيري خارجية الأردن وسوريا كان في مقدمتها الحديث عن مشكلة التهريب على الحدود الشمالية.

لدمشق تصوراتها الخاصة بمسارات الأوضاع، ويبدو أن ذهنية الدبلوماسية السورية، العتيدة والمحافظة، تشكل تحديًا مهما للأردن ودبلوماسيته، فالأمر ليس منازلة في التفاوض بقدر ما هو فرصة لتكون سوريا مدخلاً للتفاهم العربي في المرحلة المقبلة بقدر ما كانت باباً للاختلاف والافتراق من قبل، ولذلك فالمطلوب أردنياً هو التقدم بمختلف الأدوات من أجل تأسيس الأرضية الصفقة كبرى مع سوريا ومن أجلها، وهو ما يتجاوز ايقاع الدبلوماسية و ذائقتها بين عمان ودمشق.

أمن الأردن وقدرته على استعادة الأجواء المناسبة لتحقيق نمو اقتصادي يرتبط بالشأن السوري بصورة مباشرة وغير مباشرة ولذلك يجب أن يستمر الضغط الأردني (على سوريا ومن أجلها) تجاه اختراق كبير يشبه التقارب السعودي–الإيراني أو المصري–التركي.

لا يمكن دمج نظريتي الأمن الإقليمي في الأردن وسوريا، ولكن يجب على الأقل الحديث بصراحة عن دورهما معاً في الاندماج في تحولات المنطقة المرتقبة والمتصاعدة.