يلخص ماركس في نظريته (التطور الديالكتيكي) أن كل حضارة تظهر وفي طياتها بذور فنائها، فلم يشهد التاريخ حضارة استطاعت أن تسود لفترات زمنية طويلة، فلكل حضارة منحى بياني تصل فيه إلى أعلى نقطة ومن ثم تبدأ بالهبوط، فالإمبراطورية الرومانية والفارسية والإسلامية سادت العالم ثم انهارت، وفي التاريخ المعاصر أشعلت دول أوروبية حروبا عالمية بينها لاستعمار العالم مثل: فرنسا وبريطانيا والمانيا وغيرها، معتمدة على قدراتها العسكرية لكنها خرجت من السباق بعد ظهور قوتين عالميتين هما أميركا والاتحاد السوفيتي، الذي انهار بعدها ليعيش?العالم في فلك الدولة العظمى الواحدة (الولايات المتحدة الأميركية) التي وبسبب تفوقها العسكري والاقتصادي تمكنت من الهيمنة والسيادة على النظام الدولي العالمي باعتمادها سياسة (العصى والجزرة) و(من ليس معنا فهو ضدنا) ولكننا في الآونة الاخيرة بدأنا نشهد بوادر لدخول العالم في مرحلة وتغير جديد في النظام العالمي، ففي ظل انشغال الولايات المتحدة في إشعال وافتعال الحروب والانقلابات هنا وهناك كوسيلة لتحطيم الخصوم كما فعلت مؤخراً في الحرب الروسية الأوكرانية التي سببت ازمة اقتصادية عالمية في مجال الطاقة والغذاء، وفي هذا ال?ياق وعلى الرغم من انسياق الدول الغربية وراء الأميركان إلا أن هناك شعورا لاحقا بالغبن والرغبة في التخلص من التبعية الأميركية وفقا لما قاله الرئيس الفرنسي (ماكرون) اثناء زيارته الأخيرة للصين، بل وبدأنا نشهد أن دول حليفة انتهجت سياسة الحياد لأنها تشعر بأنها غير معنية بحرب عبثية لتحقيق مطامع أميركية وأصبحت تستقل في قرارها السيادي، في مقابل ذلك هناك تنام وصعود للتنين الصيني كقوة اقتصادية عالمية وايضا بروز قوى إقليمية اقتصادية وسياسية فاعلة مثل: الهند وتركيا والمملكة العربية السعودية وعلى الرغم من كل المحاولات ا?تي قامت بها الولايات المتحدة لكبح جماح وتنامي قدرات الصين الاقتصادية بشنها حرب اقتصادية لم تنجح!!
ثم محاولتها كما فعلت مع روسيا افتعال مشكلة (تايون) لكنها شعرت بصرامة الموقف الصيني فتراجعت عن هذا الخيار ايضا، وفي المقابل أدركت الصين أن سر نجاحها يكمن في المصداقية والاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الآخرين فكان ذلك سبباً في كسب الثقة وتنامي علاقاتها الاقتصادية والسياسية لا سيما مع دول كانت تصنف إلى وقت قريب أنها موالية، بل أن سياسة الحياد التي اتبعتها الصين شجعتها لتطوير وتعميق علاقاتها الإستراتيجية والسياسية، فكسبت الثقة والمصداقية ومارست وساطة ورعاية ناجحة مكنتها من حل معضلة العلاقات السعودية الاي?انية وإعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما التي سوف تكون مستقبلا مفتاحا لتفاهمات لحل حرب اليمن والى حد بعيد لبنان، فلم تعد بذلك تلك الدول مضطرة لشراء الأسلحة والانجرار وراء الابتزاز الإميركي الإسرائيلي لما يسمى (البعبع الإيراني).
لقد أيقنت كثير من الدول أن مفهوم الدول الصديقة والحليفة عند واشنطن مفهوما (برغماتي) مرتبط بمدى الانصياع لرغباتهم دون أية ضمانات مع بقاء خيار التغيير في حالة الاختلاف في المصالح وبسبب هذه السياسة النرجسية للولايات المتحدة اتجاه أصدقائها وتوريطها للعالم في نزاعات دولية، كل ذلك كان سبباً في تسلل الكثير من تحت عباءتها وسبباً في دخولها أزمات اقتصادية داخلية، وسبباً في شبح انهيار الدولار مقابل انتشار وهيمنة «الين الصيني» ليبقى سؤالنا هل نحن نتجه قريبا نحو نظام عالمي جديد؟.
أستاذ القانون الدولي العام