نشعر بكثير من الطمأنينة عندما نعلم «أن الأردن قد تمكن من مواجهة عدد من الصدمات العالمية والإقليمية الكبرى وحافظ على استقراره الاقتصادي». هذا الاقتباس جزء مما ذكره السيد جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي في تصريحاته على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين التي تعقد حالياً في واشنطن. ولكن نحذر من أن هذه الطمأنينة الجيدة قد تكون ادخلتنا في منطقة الراحة comfort zone والشعور بالأمان، وهنا يكمن الخطر. لماذا؟ بكل بساطة لأن هذا الاستقرار تصاحب مع وجود مستويات نمو منخفضة، وانتاجية منخفضة في العديد من القطاعات، وعجوزات متزايدة في الموازنة العامة، ومديونية مرتفعة نسبياً، وصلت إلى 38.5 مليار دينار نهاية العام الماضي أو ما نسبته 111% من الناتج، وترهل اداري، ومعدلات بطالة مرتفعة، وصلت الى قرابة 22.9% في نهاية العام الماضي، وخصوصاً بين الشباب والمرأة حتى قبل اندلاع جائحة كورونا، وهذا ما يقلقنا.
وهنا أود أن أعيد التذكير بأن العلاقة بين نمو الناتج المحلي الإجمالي والبطالة معقدة وذات أثر سببي، حيث تؤدي الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي إلى انخفاض في البطالة، ويؤدي انخفاض الناتج المحلي الإجمالي إلى زيادة البطالة والعكس صحيح. ومع ذلك، فإن هذه العلاقة ليست دائمًا مباشرة، وقد تلعب عوامل أخرى دورها. وتتمثل إحدى طرق النظر إلى العلاقة بين نمو الناتج المحلي الإجمالي والبطالة في مفهوم «قانون أوكون» Okun’s Law، الذي ينص على أنه مقابل كل زيادة بنسبة 1٪ في نمو الناتج المحلي الإجمالي، ستنخفض البطالة بنحو 0.5٪ إلى 1٪. والنظرية الكامنة وراء هذا القانون هي أنه عندما ينمو الاقتصاد، تميل الشركات إلى توظيف المزيد من العمال لتلبية الطلب المتزايد على سلعهم وخدماتهم، مما يؤدي إلى انخفاض معدلات البطالة. وعلى العكس من ذلك، عندما يتقلص الاقتصاد، تسرح الشركات العمال لخفض التكاليف، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة. ومع ذلك، فإن قانون أوكون لا ينطبق دائمًا، ويمكن أن تختلف العلاقة بين نمو الناتج المحلي الإجمالي والبطالة اعتمادًا على السياق الاقتصادي. فعلى سبيل المثال، في أوقات التطور التكنولوجي السريع، كما نشهده الآن، أو في حالات إعادة الهيكلة الاقتصادية، قد تسرح الشركات العمال على الرغم من النمو الاقتصادي، مما يؤدي إلى انفصال بين نمو الناتج المحلي الإجمالي ومعدلات التوظيف. بالإضافة إلى ذلك، قد يختلف تأثير نمو الناتج المحلي الإجمالي على البطالة باختلاف قطاعات الاقتصاد، حيث تستفيد بعض القطاعات من النمو أكثر من غيرها. ومما لا شك فيه أنه عندما تكون البطالة مرتفعة، قد يكون هناك إنفاق استهلاكي أقل، مما قد يؤدي إلى انخفاض الطلب على السلع والخدمات، وهذا بدوره يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي. كما ويمكن أن تؤدي البطالة المرتفعة أيضًا إلى انخفاض في إنتاجية العمل، حيث قد يفقد العمال العاطلون عن العمل لفترة طويلة مهاراتهم أو دافعهم، مما قد يؤثر سلبًا على النمو الاقتصادي.
وعودة الى بعض ما قاله السيد جهاد أزعور «بأن الاستقرار هو مدخل أساسي للازدهار الاقتصادي»، وهنا لا بد من التذكير أن الاقتصاد الاردني قد شهد فترات ازدهار متعددة في العقود الماضية، إلا أنه لم يشهد ازدهاراً بالمستويات المطلوبة منذ أكثر من عقد ونصف العقد تقريباً. ونتفق مع السيد أزعور أن تحقيق الازدهار في الأردن يتم من خلال تعميق الإصلاحات التي تحسن بيئة الأعمال والعمل على خفض كلف الطاقة ورفع قابلية الاستثمار والاستفادة من استثمارات الدول المجاورة وخاصة الخليجية منها.
هناك فرص استثمارية كثيرة متوفرة في مختلف القطاعات الاقتصادية مثل الطاقة التقليدية والمياه والزراعة والطاقة المتجددة والبيئة والنفايات الصلبة، بحاجة لأن تنتقل من على الورق والرؤى والخطط التنفيذية الى أرض الواقع في مختلف مناطق وأقاليم المملكة وخاصة تلك التي بحاجة أكثر للتنمية.
ولا بد من التحذير من أن البقاء في منطقة الراحة يؤدي إلى الافتقار إلى الإرادة والرغبة في إجراء التغييرات وإحداث الصدمات الايجابية اللازمة وإتخاذ القرارات الصعبة وتأخير الإصلاحات المهمة أو تجاهلها، مما يجعل الاقتصاد عرضة للصدمات المستقبلية.
إن البقاء في منطقة الراحة أمر مغر ويبعث على الطمأنينة المؤقتة، إلا أنه في النهاية مكان خطير وفيه مخاطر بالتخلف عن الركب في الأسواق الاقليمية والعالمية وله ثمن باهض في المستقبل الذي قد لا يكون بعيداً.