يجادل الاقتصاديون وصناع السياسات في مفهوم التشرذم أو التجزئة أوالتفتت كما يسميه البعض فهو مصطلح مرتبط بسلسلة التوريد المقسمة إلى أجزاء مختلفة. حيث تستخدم الشركات الموردين ومصنعي المكونات بشكل منفصل لإنتاج سلعهم وخدماتهم. غالباً ما توجد هذه الكيانات في بلدان مختلفة خاصةً عندما تكون العمالة وفيرة وغير مكلفة. وهذا يسمح للشركات بإنتاج سلع أكثر فعالية من حيث التكلفة وذلك بفضل التكنولوجيا المحسنة والعولمة. لقد دق صناع السياسات والاقتصاديون في الآونة الأخيرة ناقوس الخطر بشأن مخاطر التجزئة المرتبطة بالعديد من التحديات من تباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي وتغير المناخ حتى أزمة تكلفة المعيشة وارتفاع مستويات الدين. وفوق ذلك تأتي التوترات الجغرافية-السياسية التي زادت من صعوبة معالجة القضايا العالمية الحيوية. إن التشرذم الجغرافي الاقتصادي يشير إلى عالم يمكن أن ينقسم إلى تكتلات اقتصادية، تتعامل دولها الأعضاء مع بعضها البعض فقط. وهذا من شأنه أن يكسر التدفق الحالي لرأس المال والسلع والخدمات والأفكار والتقنيات عبر الحدود ما يؤدي لمجتمعات أكثر فقرا وأقل أماناً. وقد يزيد التشرذم من صعوبة مساعدة كثير من الاقتصادات الصاعدة والنامية التي تعرضت لصدمات متعددة.
عززت قوى التكامل الاقتصادي مستويات الإنتاج والمعيشة وضاعفت حجم الاقتصاد العالمي ثلاث مرات وانتشلت 1.5 مليار شخص من الفقر المدقع بجعلهم أكثر ثراءً وأحسن صحة وأفضل تعلماً، ولا ينبغي إهدار هذا الكسب المتحقق من السلام والتعاون. لكن نجاح التكامل الاقتصادي ترافق مع زيادة عدم مساواة وقد أدت جائحة كورونا لإتساع الفجوات لا سيما البلدان التي تواجه اضطرابات في سلاسل التوريد في أسعار المواد الغذائية والطاقة. في الواقع تتزايد مخاطر التشرذم حيث إن منافع التكامل العالمي لم تشمل الجميع. فالاضطرابات التي نجمت عن التجارة والتغير التكنولوجي أضرت ببعض المجتمعات. وتصاعدت التوترات بشأن معايير التكنولوجيا التجارية والأمن لعدة سنوات، وكان للحرب الروسية الاوكرانية دور في إبراز الخلل القاري الجيوسياسي الكامن الخفي، ولمواجهة مخاطر الاضطرابات وظروف عدم التأكد في السياسات تعمل البلدان والشركات متعددة الجنسيات بسرعة أكبر على إعادة تقييم شكل هيكل إنتاجها العالمي. ولقد فرضت نحو 30 دولة قيوداً تجارية بالحد من صادرات المواد الغذائية مثل القمح والطاقة والسلع الأساسية الأخرى.
يمكن للتجزئة التكنولوجية وحدها أن تؤدي إلى خسائر تصل إلى 5٪ من الناتج المحلي الإجمالي لمعظم البلدان. ولكن الابتكار التكنولوجي يحتاج إلى نطاق واسع، والعالم المجزأ هو عالم أصغر وأقل ابتكاراً. وقد يؤدي انخفاض التجارة أيضًا إلى ارتفاع التضخم وإلغاء الوظائف وحرمان الناس من الغذاء والدواء والضروريات الأخرى. ومن جانب آخر، فإن المزيد من التجزئة قد يمثل صدمة أخرى للعرض مما يؤدي إلى مزيد من التضخم وانخفاض الإنتاج. برأيي، إن إعادة الإنتاج إلى الوطن والابتعاد عن سلاسل التوريد الدولية لن يجعل الأشياء أكثر تكلفة فحسب، بل سيزيد أيضًا من المخاطر. في حين أن هناك حاجة مشروعة لبناء نظام اقتصادي أكثر مرونة وأكثر عدلاً، لذاعلينا السعي للحفاظ على ترابط اقتصادياتنا من خلال العمل على الملكيات العالمية المشتركة مثل رفع مستوى المعيشة في جميع أنحاء العالم والحد من عدم المساواة داخل البلدان والتصدي للتحديات المشتركة مثل تغير المناخ وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون والفيروسات لا تعرف الحدود أو الأوبئة في المستقبل، حينها سينجح العالم المتكامل بتقاسم الازدهار.