طاف الزّمان بأهله، وتقارب المكان بساكنيه، وأشرقت شموس المعارف على أمّة البشريّة، فجاء يومٌ تصدح فيه اللغة العربية بحروفها، ليعلم أهل الْعَصْر عن مكنوناتها من الْأَدَب، ويتسارعون لها في الطّلب، فها قد أقبلت لغتنا العربية تجمعنا ولا تفرقنا أمام العالم.
وقد ارتقى العربُ يوم نزل كلام ربّنا من عالي سمائه، فأصبحوا يزاحمون الثريّا بعليائه، وأصبحت تحيتهم السلام والبركات، فأمّا السلام فاسم ربّنا سبحانه، ويعطي طمأنينة القلوب، وأمّا البركات فهي السعادة، يقول الْفراء فِي قَول الله تَعَالَى: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ})، قال: (البَرَكاتُ: السَّعَادَة).
فاللغة العربية التي جمعتنا: (بلسان عربيّ مبين)، وألحقتنا بلواء سيد المرسلين، صلى الله عليه وسلّم، وبها نبني الأمجاد، فأما الرجال يجمعون ولا يفرّقون، لأنّ الجمع يحتاج إلى قلوب واعية، وأذهان صافية، وأما النساء فلهنّ نصيب في العربيّة، فالمرأة تربي الأبطال ليقوموا بواجباتهم تجاه الدين والوطن، والمرأة في أسمى صفاتها، كما حكاه عنها الخليل بن بن أحمد: (الجامعةٌ)، وذلك قبل شوقي باثني عشر قرنا يوم قال عنها: (مدرسة)، فالجامعة: (تجمعُ، وهي: الكاملة في الخصال تجمع الجَمالُ والعقلُ والخيرُ كلُّه).
وابن دريد أمام في اللغة يحدد ثلاثيات النجاح: (رَأَيْت أكْرمَ مواهبِ اللهِ لعَبْدِهِ: سَعَةً فِي الْفَهم، وسلطانا يملك بِهِ نَفسه، ولُبًّـا يقمعُ بِهِ هَوَاهُ)، وينصحنا بعلوّ الهمة، بقوله: (ولا يكون مضيعا لما استودعته الْأَيَّامُ، ولا مقصرا فِي النّظر فِيمَا يجب عَلَيْهِ، حَتَّى كَأَنَّهُ ابْن يَوْمه ونَتيجُ سَاعَته).
ومن ثنايا اللغة العربية، يطالعنا كلمات من صميم الحياة، كالوطن، فتعالوا بنا نتعلم هذه الكلمة حتى لا نضيّع ما استودعتنا الأيامُ: (الأوطان ثَلَاثَة: الوطن الْأَصْلِيّ. ووطن الْإِقَامَة: وَهُوَ مَوضِع يَنْوِي أَن يسْتَقرّ فِيهِ خَمْسَة عشر يَوْمًا أَو أَكثر، ووطن السُّكْنَى: وَهُوَ مَوضِع يَنْوِي فِيهِ الْإِقَامَة أقل من خَمْسَة عشر يَوْمًا). وهذا يعني: أنني لو شربت من بئر ومضيت، كان له حقّ عليّ أن لا ألقي فيه حجرا، وأن أقدّم له شكرا، فكيف بوطن ولدت فيه؟!!.
والوطن هو الحظ الأوفر، والمكسب الأوفى، والنعمة النعماء: (ليسوا بشيء من حظوظهم أقنع منهم باجتماع الوطن والمطر). فالوطن الذي تمطر فيه السماء لن نفقر على أرضه، ولكننا بحاجة لنجمع شتات قلوبنا وهمومنا واهتماماتنا، لننشل كلّ ضائعة، ونزرع كلّ شجرة، ونجني كلّ ثمرة.
وأما الواجب الأسمى للأفذاذ أن يحصّنوا أوطانهم، بعيدا عن الأهواء، وتحكيما للعقول، وتفعيلا للنظرة الأسمى، والرأفة على الأجيال، بالآمال والأعمال لا بمجرد الأقوال.
وباللغة العربية نرسم الطريق، للجمع لا للتفريق، والجَمْعُ خلاف التَّفْرِيق: (جمعت الشَّيْء أجمعه جمعا إِذا ضممت بعضه إِلَى بعض). وهنا جاء الإسلام بالأمر المبين: (سووا صفوفكم ولا تختلفوا، الكتف بالكتف يستوي الصّف)، وفي حديث شريف آخر: (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ...، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَنْ عِنْدَهُ).
هذه لغتنا العربية تجمعنا بغسّانٍ وعدنانٍ، وبقراءة أمجادنا نتجاوز حدود الهموم لا حدود المنطق، ونسوّي المعيقات ونسهل الطريق، لا أن نسحق المقدرات ونضيع القدرات، فلنفرح في يوم لعتنا العربية، لتشرق علينا البشارات من جديد، فهي المنبّه للاستيقاظ، وهي الآلة التي نصنع بها سلّم الارتقاء، ويكفي أنها شمس تذيب الخلافات بيننا، وتبني الجسور بين الحاضر والماضي، ومن غيرها نكون كحاطب ليل أو كمن يبحث اللؤلؤ في قاع المحيط.