لا أحبّ استخدام المفاهيم والمصطلحات الأجنبية، في معالجة أيّ شأنٍ عربي. وأحرص دوماً على استخدام المفاهيم العربية المتداولة، لأسباب كثيرة، منها عُقد ومركّبات النقص الموروثة، مِن مراحل سابقة، في الثقافة العربية، ولأسباب أخرى لا مجال لتفصيلها هنا. لكن ثمّة مفاهيم أجنبية، في مجال السياسة وغيرها، شاع استخدامها بألفاظها الأجنبية الأم، ومِن دون نحت وابتكار مرادفات عربية لها. ومن المفهوم، أنّ ذلك لم يأتِ مِن عجزٍ في بُنية اللغة العربية نفسها، بقدرِ ما هو قادمٌ مِن المشتغلين العرب في الحقل المعرفي المقصود. وبالطبع، ليس المقصود بالتعريب هو الترجمة أو ما يشبهها، بل الابتكار الخلّاق للمعاني والمضامين للمصطلحات والمفردات.
مِن هذه المصطلحات الأجنبية، مفهوم «الديماغوجية..»، وما يتناسل منها مِن اشتقاقات؛ «ديماغوغي، أو ديماغوجي، أو ديماغوغيا..»، وغيرها. ومبرّرُ الحديث عن هذا المفهوم اليوم، هو أنّ شؤون المنطقة العربية تكادُ تكون في أحوجِ أزمانها إليه، لكثرة ما يتزاحمُ على صدارة مشهدها مِن نماذجَ، يصعب وصفها بغير ذلك المفهوم؛ «ديماغوجي..»..
فالمفردة «دِيمَاغُوجِيَا..»، التي تعود جذورها إلى اللغة اليونانية، وتعني (دِيمَا – غوجيا/ قيادة الشعب)، بما هي الاستراتيجية المتّبعة، مِن أجل إقناع الناس أو الآخرين، بالتركيز على مخاوفهم وعلى أفكارهم المسبقة. وعادةً، ما يتمّ ذلك عبر الخطابات، والتحريض وإثارة العواطف والغرائز، والدعاية الشعبية والحماسية.
ما سبق، هو أصل المعنى اليوناني للمفهوم. أما الآن، فهو يعني ويشير إلى الوسائل، والأساليب، والمناورات، التي يلجأ إليها بعض السياسيين، مِن أجل إغراء الجماهير، وكسب ودّهم، بالوعود والشعارات، مِن أجل الوصول إلى السلطة. بما في ذلك لجوء بعض السياسيين إلى إثارة مشاعر الخوف والترهيب عند الناس.
فـ«الديماغوجيا..» اليوم، تعني خداع الناس وتضليلهم، بوسائل عديدة، منها؛ الشعارات والوعود. كما أنّها تعني مواقف الأفراد والجماعات، التي تقوم على توسّل وتسلّق الطموحات والعواطف والميول الشعبية، من أجل كسب الرأي العام للناس.
فـ«الديماغوجي..» إذاً، هو شخصٌ أو فرد، يسعى لاكتساب تأييد الناس له، واسترضائهم، والحصول على تعاطفهم، باستخدام الوعود، حتى لو كانت كاذبة، وبتشويه الوقائع والحقائق. أما وسيلته، في الوصول إلى ذلك، فهي «الكلام..» وفنونه وأصنافه، مٍن خطابة وصوّر وتمثيل وتوظيفٍ للأحداث، باستثناء الحجة والبرهان والمنطق. فالحجج والبراهين، تقود إلى يقظة الأذهان والعقول، وبالتالي التفكير والتفكّر والحذر، وذلك أبعد الأشياء التي يسعى إليها، لأنّ كلام «الديماغوجي..» لا يستقيم، ولا يستطيع الوقوف على قدميه، إلا استناداً إلى جهل سامعيه وبساطتهم وسذاجتهم..
فالمفهوم، بهذا المعنى، يتضمّن معاني وصِفات؛ الكذب، التدليس، المراوغة، الخداع، النفاق، التسلّق، التملّق، الكلام الأجوف، الخالي من المضمون والمعنى والفائدة، الثرثرة الفارغة، وغيرها الكثير من المعاني والدلالات، التي يجمعها المفهوم اليوناني الأصل؛ «ديماغوجي..».
تُرى هل هناك مفردةٌ عربية تجمع كلّ تلك المعاني والصفات في لفظةٍ واحدة..؟ أم أنّ الأداء السياسي العربي المعاصر أضاف إلى معاني المصطلح اليوناني القديم مضامين جديدة، لم يكن يحيط بها، على نحوٍ يمكّننا من استخدام تعبير جديد؛ «ديماغوجي عربي..»..؟؟!