منذ أكثر من ثلاثين عاما وحتى الآن أواظب على التبرع بالدم؛ حدث ذلك في شهر كانون أول والشتاء ينهمر في ساعات الليل المتأخرة، طلبنا قريبا لنا لحاجة زوجته لكميات من وحدات الدم وبشكل عاجل، تم الأمر ولكن تعلمت خلال تلك الفترة العصيبة مجموعة من العبر.
لبى نداء التبرع مجموعة من المتطوعين ولكن وعند إجراء الفحص الاولي لقوة الدم وبعض الأسئلة، لم أكمل سوى أنا وشخص وحيد معي من بين عشرة شباب، التبرع بالدم يحتاج إلى صحة جيدة واهتمام وعلى مدار العام، تعلمت الانتظام في التبرع، عادة حميدة، يمكن لفئة كبيرة القيام بذلك وسهولة.
أثناء المرة الأولى للتبرع، دخل رجل متوسط في العمر وطلب شراء وحدات دم وسط استغراب الجميع، ارتفع صوته وقال: أليس هذا بنك الدم؟ ابتسم مدير فرع بنك الدم وهدأ من روعه وخاطبه: هل يمكن تقديم هدية لزوجتك المحتاجة لوحدات دم منك شخصيا واعتبرها صدقة صحة عنك؟، تردد قليلا الرجل ولكنه سرعان ما لبى نداء التبرع واعتذر من أسلوبه واعتقاده أن بالإمكان شراء حتى وحدات الدم.
عبارة جميلة أطلقها مدير فرع بنك الدم ورسمها في الذهن هدية ثمينة: «صدقة الصحة»، فما الذي يمنع من التصدق بوحدة دم في نهاية كل عام لتكون صدقة جارية وفائدة صحية وخصوصا لدى فئة الشباب وأولئك القادرين صحيا على التبرع؟
أعجبتني فكرة مؤسسة تشجع موظفيها على التبرع بالدم وبشكل دوري ليصبح رصيدا للمؤسسة لمن يحتاج من الكادر وأسرهم، ولعلها مبادرة جميلة أن تبادر مؤسسات أخرى لاعتماد ذلك ضمن برامجها الاجتماعية في العمل.
فوائد التبرع بالدم عظيمة وكوادر بنك الدم الوطني وكافة التجهيزات اللازمة لطلب إجراء مبادرات التبرع بالدم في الميدان جاهزة وتحتاج فقط للطلب، وكم هو طيب منظر المتبرعين خلال حملات التبرع بالدم، والأجمل تنادي أفراد النشامى من القوات المسلحة-الجيش العربي والأمن العام للمشاركة في حملات التبرع بالدم وتلبية نداء الواجب الإنساني عند وقوع حادث أو نداء من مواطن لإنقاذ حياة عزيز عليه.
التبرع بالدم والسعادة ثقافة راقية للشعور بحجم التضحية والإيثار وتقديم العون والمساعدة للمحتاج ؛ المتبرع من يسعد عندما يسعد مريض او محتاج وحتى طبيب وممرض خلال المساعدة الطبية العاجلة نتيجة نزيف أو عملية جراحية معقدة.
عمل الخير واسع وممتد وشعور رائع حين ننبذ الأنانية وحب الذات وعدم الشعور مع المحتاج بحق ولو بعبارة وتشجيع، فما البال حين تكون قطرة دم غالية ونقية وتدفع النقم وتضمد الجراح؟
ثقافة التبرع بالدم كصدقة للصحة وعنوان للحمد، تدعونا لتشجيع من يستطيع ويقدر وهم كثر في مجتمعنا المبادرة جنبا إلى جنب مع حملات الشتاء والمعونة والخير، التفكير جديا في التبرع بوحدة واحدة ولو لمرة واحدة واحتسابها صدقة لوجه الله.
أحيانا كثيرة أحاور أطباء للخروج من دائرة الطب إلى رحاب الحياة والحديث عن علاقة الطب وفلسفة السعادة على سبيل المثال ومن خلال التخصص الدقيق والبوح عن تفاصيل كثيرة من تجاربهم الطبية لحظة الولادة ولحظات الانتقال إلى مراحل من المرض الطويل والمعاناة وربما قبل لحظات من الوفاة بقليل.
التبرع بالدم ثقافة راقية وسامية، لا بد من غرسها في النفوس، وإحياء روح التبرع على مدى العمر وفي المجالات كافة سواء المادية والمعنوية، وذلك لنطهر النفوس من المرض والحاجة والعوز، ولنشعر بالسعادة والبهجة والسرور وذلك ليس بالصعب أو المستحيل!
fawazyan@hotmail.co.uk