في جلسة علمية ثقافية ممتعة جمعتنا مع نخبة من صانعي القرار في دبي لم تكن كغيرها من الجلسات الاجتماعية التي تكتنفها أحاديث الأردنيين الشيقة، بل كانت ثرية بالمعلومات في ضيافة النشيط إحسان القطاونة رئيس مجلس العمل الأردني، خرجنا منها بالكثير من المعطيات الهامة.
طرحت مواضيع ليست تقليدية فيها تطلع لمستقبل قادم بتحدياته وغموضه والأهم إمكانية استفادة الأردن الحبيب منه، وربما حالت غزارة الأفكار وضيق الوقت وثقافة الحضور المتدفقة دون ذكر كل ما في البال. أهمها الميتافيرس وهو العلم التكنولوجي القادم والذي يعيش فيه الإنسان في الواقع الافتراضي وكأنه في الواقع الحقيقي، مما سينعكس على مستقبل الخدمات الحكومية والسياحة والعقار والترفيه وغيرها الكثير.
سيأتي يوم ليس ببعيد بعد أن قفزت الثورة الرقمية إلى الواجهة لتتيح للإنسان أن يدخل افتراضياً الدائرة الحكومية من بيته، أو يستأجر غرفة افتراضية وكأنها حقيقية ليشاهد البترا وجرش والسلط دون سفر مع إحساسه بكامل الواقع المعاش، وقد يثار سؤال حول فوائد الزيارات الافتراضية.
الدراسات تشير إلى أن زوار البترا المتشوقين لرؤيتها القادرين على دفع المال للحضور بالطائرة واستخدام الفنادق في البترا يبلغ عددهم في النصف الأول من هذا العام 300 ألف زائر، سيضاف لهم مستقبلاً 3 ملايين زائر افتراضي يدفعون رسوم الزيارة عن بُعد، ليدخلوا فيما يسمى تجربة غامرة لتبدو لهم كأنها واقع يعيش تفاصيله دخولاً من السيق وانتهاء بالخزنة في لحظة مليئة بالفرح والاندهاش، ولك أن تتخيل الدخل السياحي الذي سيتأتى لصالح الأردن وتنميته.
ربما تبدو الأمور جافة لا حياة فيها فلا شيء أجمل من التفاعل الطبيعي، هذا صحيح للأجيال الناضجة لكن الأجيال الشابة المرتبطة عاطفياَ بهواتفها ستجدها متعة لا مثيل لها.
التكنولوجيا ستبقى مهتمة بالنواحي الإنسانية، لأن التقدم الجيني الطبي القادم سيتيح اكتشاف الجينات المسؤولة عن الأمراض المزمنة التي نرثها من آبائنا أو أمهاتنا ويخلصنا منها مقص بيولوجي خاص تخيلوا! بمعنى التكنولوجيا ستصب في صالح الإنسانية من خلال إطالة عمر الإنسان وجعله ينعم بحياة أكثر سعادة.
هناك أصوات فزعت من الاهتمام بالميتافيرس وبالتكنولوجيا على حساب الفقر والبطالة، ولتأكيد أن التكنولوجيا ستخلق وظائف استشهد أحد الخبراء بتجربة ظهور السيارة وإلغائها البدائل التقليدية في النقل والزراعة وغيرها، بحيث أوجدت ملايين الوظائف في المجالات التجارية والتسويقية وفي صناعة المواد الخام، وقطع الغيار و الإطارات، ومحطات الوقود والشحن واستئجار وتشييد العقارات اللازمة والاستثمار في المدبوغات الجلدية أو البلاستيكية وغيرها، وقس على ذلك التكنولوجيا والصناعات الرقمية القادمة بقوة، لكن في المقابل هناك وظائف ستندثر.
في الأمن الغذائي لمجابهة الفقر لابد من الإشارة أن التكنولوجيا ستخدم الأمن الغذائي وترفعه إلى أعلى سلم الأولويات، لأن التكنولوجيا الحيوية في الزراعة ستتيح لنفس دونم الأرض أن ينتج أضعاف السابق وبكمية أقل من المياه بالاعتماد على بذور زراعية محسنة تطعم أفواهاً أكثر والأهم تراعي الصحة، فقادم الأيام أن تحركنا قبل غيرنا سيكون في صالح الأردن الأميز في القدرات العلمية التكنولوجية.