أكثر الاسئلة التي تواجه الهيئة المستقلة للانتخاب في هذه المرحلة لا تحمل طابعاً انتخابياً كما هو متوقع، بل تتعلق بالاحزاب ومدى الجدية في هذا الحراك الدائر بهدف تكريس العمل الحزبي كاحدى ادوات الاصلاح المهمة، بل الاكثر اهمية للوصول الى ديمقراطية حقيقية اساسها قيام حكومات منتخبة جزئياً في الوقت الراهن وكلياً بعد سنوات من الان عندما تترسخ ثقافة الانتخاب كمقدمة لا بد منها لايصال الاحزاب المنتخبة الى السلطة التنفيذية، ومن الطبيعي ان يطرح المجتمع الاردني بكافة فئاته ومستوياته اسئلة مقلقة وفي المقابل فأنه يحتاج الى?اجابات مطمئنة من ان الممارسة الحزبية لن تكون سبباً للمساءلة والحرمان من الوظيفة او البعثات الطلابية وغيرها من الحقوق والامتيازات، ولن تكون سبباً للمحاسبة في بعض الحالات التي يتداولها الجمهور على شكل امثلة من واقع الحال تعرض الحزبيون فيها الى مضايقات مختلفة. والاسئلة المقلقة لا يطرحها المواطنون المهتمون بالعمل الحزبي فقط، وانما هي هاجس الغالبية العظمى من المسؤولين الاردنيين أيضا فبينما يريد المواطن ضمانات بان الدولة جادة في قبوله كعضو في حزب اردني، فان النظام الرسمي المسؤول يريد ضمان بان العمل الحزبي سيبقى ?ي اطار الدستور والقوانين الناظمة، وبان الحزبي الاردني يضع نصب عينيه مصالح الاردن والاردنيين في ممارسته الحزبية من اجل تحقيق اهداف وطنية خالصة من خلال انشطة سلمية وقانونية ومعلنة على شكل برامج مقنعة للناس وتعكس همومهم ومصالحهم وبالتالي تحفزهم الى الذهاب الى صناديق الانتخاب لاختيار هذا الحزب او ذاك بمقدار ما يقدم من برامج مقنعة للناس.
يتوجه المواطنون باسئلتهم الى الهيئة المستقلة ومنها على وجه الخصوص يريدون ضمانات واضحة، بعضها ليس بمقدور الهيئة ان تقدمها وبعضها الآخر يقع ضمن صلاحيات الهيئة ونطاق عملها، فالهيئة لا تضمن برامج الاحزاب ومدى اقتناع الناس بها ودرجة التصاقها بهموم الاردنيين ومصالحهم، والهيئة لا تضمن كيفية عمل الاحزاب من اجل تنفيذ برامجها بحيث تكون الادوات التي تستعملها مقبولة مجتمعيا، لكن الهيئة تضمن الالتزام بالدستور وجميع القوانين الناظمة للعمل السياسي بحذافيرها في ادارتها وتنظيمها لعملية ولادة الاحزاب ووجودها على ساحة العمل ?لسياسي في الاردن، وتضمن الزام الاحزاب السياسية بتوفيق اوضاعها بما يتفق والدستور والقوانين بموجب الصلاحيات والمهمام الموكولة اليها دستوريا وقانونياً، اي ان الهيئة تمهد الطريق امام الاحزاب كي تمارس عملها المشروع وامام من يبحث عن حزب ينتمي اليه ويسهم في تحقيق اهدافه، فالهيئة من جانبها ستقوم بتقديم المعلومات الضرورية للاحزاب كي تسلك الطرق السليمة والقانونية في نشأتها وفي عملها، وستقدم للمواطنين المعلومات عن الاحزاب لتسهيل مهمة الاختيار لكل راغب في ان يكون حزبياً فاعلاً، ومن البديهي ان تكون المعلومة الصحيحة اسا?اً صلباً لعمل حزبي حقيقي وضمانة للحزبيين من الوقوع في وهم المساءلة وهواجسها وقصص المضللين الذي يوهمون الناس بأن الحراك الحزبي ليس سوى سحابة صيف سرعان ما تعبر لنعود بعدها الى مرحلة جديدة من التجريب والوعود والمبادرات واللجان، فمن جانبها تؤكد الهيئة على وجود ضمانات غير تلك التي تقدمها للاردنيين كي يقبلوا على الاحزاب وبين ايديهم ما يكفي من المعلومات والارشادات الاجرائية كي يبادروا الى الاختيار بين هذا الحزب او سواه وليس بين الحزبية والعودة الى دائرة الشك والعزوف عن المشاركة وما ثبت عدم جدواه في مقاطعة الانتخا? قبل العمل الحزبي. فالدولة ممثلة بجلالة الملك تقدم ضمانة أكيدة بان العمل الحزبي يحظى بمباركة صادقة على المستوى الرسمي، فهناك دعوة ملكية للشباب للانخراط في الحياة السياسية والمشاركة في العمل الحزبي دون اي شعور بالقلق جراء ذلك، ومن بعد هذه الدعوة الملكية هناك ضمانة تشريعية لا تقبل الشك، فلأول مرة يتضمن قانون الاحزاب مادة قانونية لمساءلة من يتعرض لشخص بسبب انتمائه الحزبي، اذ تشير المادة الرابعة الفقرة (ب) من القانون الى انه (يمنع التعرض لأي اردني بما في ذلك المساس بحقوقه الدستورية او القانونية او مساءلته او م?اسبته من اي جهة رسمية او غير رسمية بسبب انتمائه او انتماء اي من اقاربه الحزبي) وفي الفقرة (ج) يؤكد القانون على انه (يمنع التعرض لطلبة مؤسسات التعليم العالي بسبب الانتماء والنشاط الحزبي والسياسي) وفي الفقرة (د) يأتي التأكيد على حق الشخص الذي تعرض للمساءلة او المضايقة بسبب انتمائه الحزبي ان يلجأ الى القضاء (للمطالبة بالتعويض عن الضرر المادي او المعنوي) الذي لحق به بسبب ذلك.
ان الهيئة المستقلة للانتخاب تعمل بوحي من هاتين الضمانتين بين اوساط الشباب لارشادهم الى الطريق الذي ترسمه القيادة السياسية في بلدنا ممثلة بجلالة الملك، طريق قد يطول وقد يقصر الامر يعود الى عاملين اثنين احدهما مسؤولية المؤسسة الرسمية ومنها الهيئة المستقلة في تمهيد الطريق وجعله اكثر سهولة امام الشباب كي يسهل عليهم الاختيار بشجاعة ودونما قلق، والعامل الثاني يعود الى الاردنيين بكافة فئاتهم وفي مقدمتهم الشباب وهم عنوان مرحلة الاصلاح ومستقبلها،فمتى سارعوا للانخراط في الحياة السياسية والمشاركة في الاحزاب والانتخاب?تقدم مشروع الاصلاح خطوة الى الامام، والهيئة من جانبها تعمل في كل وقت لجعل خيارات شبابنا افضل واسرع وتعمل بموجب برامج مدروسة على بناء ثقافة انتخابية في تزامن مع ثقافة حزبية تتلاقيا عند هدف عظيم واحد هو الوصول الى حياة افضل تتجلى فيها الديمقراطية والحريات المسؤولة والمساءلة الحقيقية عن كل تقصير في خدمة الاردنيين او التعرض لحقوقهم ومصالحهم.
الهيئة المستقلة الآن تعمل بكامل طاقتها على محورين اساسيين، اولهما تمهيد الطريق الحزبي امام الاردنيين لمساعدتهم في اختيار البرنامج الحزبي الذي يناسبهم، وثانيهما تعزيز قيم المشاركة الانتخابية من اجل ايصال الاحزاب الى الناحية الاقرب الى المشاركة في الحكومات ببرامج اصلاحية تعكس مصالح الناس وذلك بتكريس ثقافة الانتخاب لتكون الطريق الوحيد في ايصال الطموحين الى موقع المسؤولية والشراكة في اتخاذ القرار على ان يتحملوا المسؤولية كاملة امام الاردنيين عن قراراتهم.
*عضو مجلس مفوضي الهيئة المستقلة للانتخاب