منذ اندلاع جائحة كورونا بداية عام 2020 مخلّفة أضرارها في الكثير من نواحي الحياة، خاصة الاقتصادية، كانت صناعة السياحة أحد أكبر الصناعات تضرراً بهذه الجائحة، فقد عانت من تراجع كبير في أعداد السياح في عام 2020 نتيجة للانخفاض الحاد في حركة السفر، والتي وصلت في بعض الأحيان إلى التوقف التام، مما أدى إلى إغلاق الكثير من الشركات والمنشآت السياحية، وبالتالي تسريح أعداد كبيرة من الموظفين وزيادة البطالة، وتدهور الحالة الاقتصادية بسبب زيادة التضخم خاصة وأن السياحة لا تعد مصدرا حيويا للعملات الأجنبية فحسب، بل لها قدرة ?بيرة على خلق فرصة عمل من كل 10 فرص.
هذا كله سلّط الضوء على أهمية هذا القطاع والقيمة التي تحققها السياحة للمجتمعات المحلية وتوضح الصورة إلى أي مدى تستطيع السياحة المستدامة خلق قيمة اقتصادية في المجتمعات المحلية والمجتمعات النامية، وقد نظمت الكثير من الجهات المعنية في كافة انحاء العالم اجتماعات لمناقشة مدى قدرة هذه الصناعة للتصدي لهذه الجائحة، ومناقشة أنجع الطرق لتخطي هذه الأزمة، كذلك قامت بوضع خطط جديدة تضمن مستقبلا أفضل للسياحة في ظل التحديات التي تواجهها، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه إلا بوجود تعاون و شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص بال?ضافة إلى ضرورة التحلي بروح الابتكار والتعاون من المعنيين كافة.
محلياً استطاع الأردن التخفيف من حدة الأضرار التي ضربت القطاع باتخاذ اجراءات مختلفة منها شمول العاملين بالقطاع السياحي في برنامج «استدامة» الذي يساهم فيه الضمان الاجتماعي، كما انشأت الحكومة صندوقا مستقلا للمخاطر السياحية ليس فقط للتخفيف من آثار جائحة كورونا على القطاع، بل واتخاذ الاحتياطات اللازمة للتصدي لأي تحديات مستقبلية قد يتعرض لها، وقدمت بعض الإعفاءات وخفضت ضريبة المبيعات، وأجلت القروض المستحقة على القطاع، كما قدم البنك المركزي قروضا ميسرة للمنشآت السياحية لتوفير السيولة اللازمة، كذلك قامت كل من وزارة?السياحة والآثار وبالتعاون مع هيئة تنشيط السياحة بإطلاق بعض البرامج السياحية و بكلفة مدعومة والتي من شأنها تشجيع السياحة الداخلية لتحريك العجلة الاقتصادية للعديد من المنشآت السياحية والمجتمعات المحلية في المناطق الاثرية والمطاعم والنقل السياحي.
من هنا بدأت هذه الصناعة بالتعافي بصورة بطيئة جداً، حتى بدأت بوادر انتعاش هذا القطاع بالظهور مع بداية عام 2022، وعلى المستوى المحلي فإن المؤشرات المتحققة خلال العام الحالي جاءت أفضل بكثير من التقديرات السابقة، خاصة إن علمنا أنه خلال آذار الماضي كانت التوقعات تشير إلى تحقيق دخل سياحي بمقدار 214 مليون دينار فيما وصل الدخل السياحي الفعلي إلى 297 مليون دينار،حيث كان من المتوقع أن يدخل الأردن 255 ألف زائر وفاقت النتائج هذه التوقعات ليصل العدد إلى 381 ألف زائر.
اما الآن ونحن نعيش في موسم الذروة للسياحة والتي تشمل كلا من شهر أيلول وتشرين الأول وتمتد حتى تشرين الثاني فقد حققت السياحة في الأردن نتائج مبهرة فاقت توقعات الجميع في اعداد السائحين حتى نهاية شهر ايلول من العام الحالي ليصل إلى 3.6 مليون زائر كما ارتفع الدخل 4.227 مليون دولار أي بنسبة 140.8 % مقارنة مع الفترة نفسها من عام 2021. والذي كان حصيلة للجهود المبذولة من جميع المعنيين في هذا القطاع والشراكة الحقيقية بين وزارة السياحة والآثار وهيئة تنشيط السياحة من جهة ومن العاملين و المستثمرين في القطاع الخاص من جهة?أخرى.
تحقيق هذه الأرقام من القطاع السياحي يتطلب مجموعة من الإجراءات حتى نتمكن من زيادة الجاهزية في مواسم الذروة والتي تتلخص بزيادة عدد الأدلاء السياحيين و المتحدثين بلغات مختلفة، وتشجيع الاستثمار في النقل السياحي لتوفير عدد اكبر من الحافلات السياحية بكافة انواعه، كذلك الحال فيما يتعلق بالمنشآت السياحية فقد واجه هذا القطاع نقصا في عدد الغرف الفندقية و خاصة في مدينة البترا، ما يستدعي زيادة الاهتمام بالمواقع الاثرية والبنية التحتية والطرق بشكل عام.
اخيراً فإنه للوصول إلى سياحة أكثر شمولاً وقدرة على الصمود في وجه أي تحديات و بناء مستقبل أفضل يتطلب منا التعرف على اتجاهات الأسواق الجديدة مع مراعات الطلب عليها، وخلق أفكار جديدة للوصول إلى سياحة مستدامة وتشجيع انماط سياحية مختلفة مثل سياحة المؤتمرات والسياحة العلاجية والبيئية لجعل وطننا رائدا في مجال السياحة.
رئيس الجمعية الأردنية للسياحة الوافدة