حين تغير نهج المقاومة، في الداخل من اضرابات والتلويح بالنفير العام والاستشهادية اللافتة والصدامات مع المستوطنين المدججين بالأسلحة، ومع قوات الاحتلال إلى اصطياد العملاء فنهج الطعن و"الدعس».
كنا نقول «في عبنا».. انها مقاومة الاستنزاف والضغط على أعصاب الكيان بالضرب تحت الحزام ضرباً موجعاً، فيما اكتفينا هنا بمقاومة التنديد والشكاوى، إلى أن وقع الفأس الفلسطيني بالرأس الصهيوني بوقوع السلاح الناري الفردي، بأيدي المقاومين، وكما هو واقع الآن ورفضاً لواقع سياسي مزر وصلت له القضية الأم.
عند هذا المستوى، من الوعي المقاوم النوعي، ضجت الدوائر الأمنية والسياسية العدوة والغربية، حتى باتت تتوجس وتحسب حساب لهذا التطور النوعي، الذي كنا نخاله من سابع المستحيلات، لمجمل عوامل في مقدمتها غياب توازن القوة ومنسوب الأمل بالتحرير والحرية والأمل المنشود، في الحضيض.
وبالتأكيد رافق ذلك، أن لا قيادة تنظيمية عسكرية تدير وتدبر وتنفذ عمليات المقاومة، في الداخل الفلسطيني.. لأنه عمل فردي بحت، أثبت موجوديته وفاعليته وتأثيره المدوي، ولا دخل لأي فصيل مقاوم يميني أو يساري أو مستقل، أو وسطي وما بين بين، حتى أن السلطة الوطنية جردتها العمليات المقاومة من الاتهام الذي قد يلصق بها باعتبارها دخلت السياسة ومطابخها ووجباته الدسمة أو» الفقرية"!
الآن و"عرين الأسود» خليط بشري فلسطيني، كوته الهزيمة والنكسة والتهجير والذل، وهو رافض لكل هذا، وتشكلت لديه حزمة نارية شرسة استشهادية «غير شكل» بمعنى أنها ليست منزوعة من الدسم الإنساني!، ومن المفاهيم والأطر والقناعات وبرامج الثورة والتحرير الجديدة اللاتنظرية، دخلت بشرعية ما للوجدان والعقل العربي المنهك بالهزيمة، كنا نقوله وبالصوت المدوي...، لا مقاومة «سمها ما شئت»، عملياتية أو سلمية،.. إلا مقاومة الداخل، لا الخارج.
وحتى، لا لمقاومة المصالحة، لأنه بالأصل مرفوض كمقاوم من أجل قضية عادلة وقضية وجود، أن تختلف أو تسفك دم رفيق، وتسحل آخر، وتخون أخا وعلى حساب أنبل صراع ونضال في الحياة وقضية بمثابة وجود!
في الحدث الكارثي فجر الثلاثاء في جبل النار اصطادت نيران العدو خمسة مقاومين، من خيرة ما يمكن نسبهم إلى «عرين الأسود» وما قبله بيوم سقط مقاوم في عملية نوعية كما سربت أجهزة الإعلام المعادية حين وضعت متفجرة لاصقة على «موتوسايكل» يعود للمقاوم فسقط شهيداً، ما أثار تساولات تكمن في عنوان المقالة (العدو دخل في سياسة كي وعي المقاومة الجديدة!)، وهي امتداد ناجح في صراع المقاومة مع الاحتلال وأدواته حين كانت الخلويات أي الهواتف النقالة بأيدي القادة الميدانيين هدفاً ثميناً لسلاح الطيران الإسرائيلي والعملاء!
الحصيلة التي نخرج منها، أن تطوراً نوعياً للمقاومة الفلسطينية نقلها مَن «سياحة المقاومة» إلى العمل الاستشهادي الفردي سارع بإحداث التفاف واسع فلسطيني وعربي وعند بعض الشعوب في عالمنا وقياداتها.. جدير بالتوقف عنده وملاحقته.
إلا أن الخطأ الاستراتيجي، لـ"عرين الأسود» أنها سارعت وضربها التسرع ممزوجاً بالزهو والخيلاء.. بالإشهار عن كيوننتها وبالتفصيل، متخلية عن سرية العمل.. ما يوصلك إلى أن المقاومة تاريخياً كانت «بالعة الموس» على الحدين، الأمر الذي يقودنا إلى قولة شهيرة لرمز من رموز الشعب الفلسطيني"عرفات»... الشعب الفلسطيني أقدر من قيادته.
وها هو"عرين الأسود» إنموذج من القدرة الذكية، لكن إيانا واياكم أن «نضرب رأس المقاومة الجديدة بأيدينا أولاً، وبضربات صهيونية، أو ندخلها عنوة في التشكيك، أو أن تسير من العملاء وندخلها في صراع ثانوي على حساب الصراع الأساسي، أو تغرق في الإحباط واليأس من جديد وهذا باعتقادي محال عند الجيل الفلسطيني الجديد.
"عرين الأسود».. اسم على مسمى..!v