تيقنت «مايا الجدعان» والتي لم تعد تمتلك سوى «بقايا بصرية»، أن ازدهار الإنسان لا يعيقه ضعف في الجسم، أو وهن في الصحة، وإنما الإعاقة الحقيقية تتمثل في ما يضعه المجتمع من عراقيل أمام أناس رفضوا أن يجعلوا حياتهم من ضربات القدر ،واتخذوا التدخل المبكر في طفولتهم سلاحا يعينهم على مجابهة بيئة غير مهيئة ،
ونظرات مربكة، وعقول مشوهة.
تعود والدة مايا بذاكرتها للوراء لتروي إلى «الرأي» كيف رسمت ابنتها قدرها بنور بصيرتها لتنافس به المبصرين في رحلتها، قائلة:«ضعف شديد أصاب شبكية العين لدى «مايا» منذ عامها الأول، بحثنا عن علاج يمكنها من الرؤية كما الآخرين، لكن دون جدوى، آنذاك لم أعلم كيفية التعامل السليم مع ابنتي إلى أن سمعت عن أهمية برامج التدخل المبكر لدى الأطفال ذوي الإعاقة، فتوجهت برفقتها إلى أحد المراكز المختصة، وفيه بدأت بتعلم الأشكال والأحرف والألوان، كما تعلمت أنا أيضا كيف أستطيع تحفيز الأمر عند ابنتي، وبحمد الله استطاعت بفضل برنامج التدخل المبكر الحفاظ على «بقايا بصرية «رغم تراجع?بصرها مع مرور الأعوام، ولا تزال ذاكرتها تنبض بكثير مما تعلمته أثناء طفولتها».
ولم تنته قصة مايا، فبإرادتها وصمودها تجلت قدرتها على الإنتاج والإبداع، إذ أنهت الثانوية بمعدل 99،15% وحصلت على المرتبة الخامسة بالفرع الأدبي على مستوى المملكة، وها هي الآن طالبة في السنة الثالثة تدرس مساق (إنجليزي -إسباني) في الجامعة الأردنية.
وتغدو برامج التدخل المبكر هي اللبنة الأساسية في حياة الأطفال ذوي الإعاقة، وحجر أساس يصعدون من خلاله إلى سلم النجاح، وتبين مديرة وحدة تكافؤ الفرص في المجلس الأعلى لشؤون ذوي الإعاقة ريزان الكردي أن التدخل المبكر هو الضمان الأساسي والأول لتيسير وصول الطفل الى التعليم الدامج بسلاسة، وتحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة والمتعلق بالتعليم الدامج في رياض الأطفال، والمحور السابع من الإستراتيجية العشرية للتعليم الدامج.
وينص الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة على ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع، فيما ينص المحور السابع من الإستراتيجية العشرية للتعليم الدامج على أن مرحلة ما قبل المدرسة (الحضانات ورياض الألطفال (تعد من المراحل النمائية المهمة التي تنعكس خبرات الألطفال فيها على مراحل التطور اللاحقة، ويتبع الأطفال المتأخرون في النمو مسار النمو الطبيعي نفسه مع أنه في العادة يكون على مستوى الأداء الوظيفي نفسه.
لذا، فإن تقديم برامج التدخل المبكر للأطفال ذوي الإعاقة والتأخر النمائي في الحضانات ورياض الأطفال في بيئة دامجة مع نظرائهم الآخرين، من شأنه أن يسهم في تطوير مهاراتهم وقدراتهم ومساعدتهم في الوصول إلى أقصى إمكاناتهم الكاملة، وتوفير الكثير من الجهد والتكلفة المالية في مراحل التعليم المدرسي.
وتقول الكردي:«تعد فترة الطفولة في سنواتها الأولى، أرضا خصبة، إذ تكون قابلية التعلم واكتساب المهارات فيها كبيرة، وتزيد أهميتها لدى الأطفال من ذوي الإعاقة في تمكينهم من الدمج في التعليم والمجتمع».
وتبين أن التدخل المبكر للأشخاص ذوي الإعاقة يقلل من التكلفة المادية على الأهالي، فمشكلة الارتخاء لدى الأطفال إذا عولجت منذ البداية يمكن أن تقتصر على العلاج الطبيعي، ولكن في حال تأخر العلاج يمكن أن يصل الأمر إلى إجراء العمليات والأجهزة المساندة مما يرفع من التكاليف على الأهالي.
ويقول مدير مديرية بدائل الإيواء وشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة الدكتور خليفة الشريدة إن:"التدخل المبكر يشكل خطا دفاعيا لعدم تفاقم مشاكل النمائية لدى الأطفال، ومن خلاله نحد من تفاقم تداعيات الإعاقة، ويمكّنه من التنشئة والاندماج داخل الحضانات ورياض الأطفال بشكل سليم ».
وتشدد مستشارة الطفولة والتدخل الدكتورة سهى طبال على أن خدمات التدخل المبكر يجب أن تبدأ في أصغر سن ممكن، فتقديم الأدوات المتسلسلة النمائية والتطورية منذ البداية، تسهم في تنمية مهارات الأطفال الحركية والاجتماعية الانفعالية والمعرفية والتواصلية، والاستقلالية (التكيفية)، ومن خلالها تحدد نقاط القوة والنقاط التي تحتاج للتدعيم لدى الطفل، ولاحقا تصميم برنامج خاص به مبنيا على المعرفة الحالية لقدراته بالتعاون مع الأسرة.
وتلفت إلى أن تطبيق الخطوات العملية للبرنامج يتم ضمن البيئة الطبيعية للطفل وروتين الحياة اليومية للأسرة، يخلق له فرص تعلم متكافئة كسائر الاطفال دون استثناء أو تحيز على أساس النوع الاجتماعي أو التنوع الثقافي أو القدرات أو الوضع الاجتماعي أو المعيشي.
يذكر أن آخر إحصائية للتعداد العام للسكان والمساكن عام 2015 حول الأشخاص من ذوي الإعاقة بينت أن نسبة الأردنيين من هذه الفئة تبلغ 11.2% من مجمل السكان الأردنيين ممن أعمارهم خمس سنوات فأكثر، ويشكلون ما نسبته 11.7% من الاردنيين الذكور، و 10.6 % من الاناث الاردنيات.
ولم تنته قصص نجاح برامج التدخل المبكر، فأمام واقع صعب عاشته أم مالك الحلبي مع طفلها من ذوي متلازمة داون، قررت أن تتسلح بسلاح التحدي في معركة النفس الطويل التي تخوضها مع ولدها في هذا العالم، من خلال اشراكه في برامج التدخل المبكر.
وتقول الحلبي:«جميعنا جبلنا على فطرة البقاء، وغريزة التعلق بالدنيا، ولكن نظرتي للحياة تغيرت كثيرا بعد مجيء مالك، إذ أصبح جل همي أن لا يكون وجوده كالعدم، لحظات لا تزال محفورة في ذاكرتي، ولا أنكر أن اليأس والعجز قد تسللا لقلبي مرات عدة، الا أنني وبعد مدة قررت عدم الاستسلام ولا التسيلم، فأخذت بيد مالك لنواجه الحياة القادمة بقوة، وعانقنا الأمل في غد أفضل، وعزمت أن نصارع معا سوداوية الحياة القادمة».
وتتابع: «بعد أن تجلت الرؤية، وعن طريق الصدفة سمعت من إحدى الأمهات عن أهمية برامج التدخل المبكر في حالة مالك، فقررت السير في هذا الطريق عله يكون منارة نجابه به عثرات الطريق، وسجلت مالك في برنامج تطوعي للتدخل المبكر لدى إحدى المؤسسات، والذين بدورهم قاموا بإرسال أخصائيين لمنزلنا في كل أسبوع، لتوجيه مالك وبلوغ أهداف معينة يرسمونها له وتساعده على التعلم والتواصل».
وبعد إشراك مالك في برامج التدخل المبكر أجمعت عائلته على تقدمه المستمر في شتى المناحي، فروحه المنطلقة نحو الحياة اقتحمت صعابها، ونفسه الكامنة في الأعماق أبت إلا أن تواجه عثرات الإعاقة، ومع تواصل جلسات التدخل المبكر لا يزال يصقل نفسه وشخصيته نحو دأب الصعود.
وترى أم مالك أن غياب التوجيه والمساعدة من الجهات المعنية أمر يعاني منه أهالي الأطفال ذوي الإعاقة، فبالرغم من وجود عدة مراكز تتبع لوزارة التنمية الإجتماعية الا أنه لا يوجد خطة مدروسة لتوجيه أهالي أطفال ذوي الإعاقة إلى تلك المراكز.
وتبين الطبال أن تمكين الأسرة وبناء قدراتها في تيسير تعلم الطفل، هي إحدى الوسائل الفعالة للتأثير على الطفل، وتزويده بالمهارات التي تساعده على التكيف في حياته اليومية.
وترى أن هناك تفاوتا بين الأسر في مستوى التقبل، وفي مستوى الوعي للتعرف المبكر عن مؤشرات التأخر أو الإعاقة، فهناك بعض الأسر التي تتنبه مبكرا لمؤشرات التأخر وتبدأ بالبحث عن مصادر مُناسبة للتخفيف من الآثار المحتملة جرّاء التأخر في التدخل، وبالمقابل هناك أسر قد ترفض فكرة وجود مشكلة أو تأخر مما قد يُفاقم المُشكلات المُصاحبة في حال تأخر التدخُّل، وهنا تكمن أهمية رفع الوعي بمؤشرات التأخر وأهمية التدخل المبكر بين الأسر من خلال الجهات الرسمية والاعلامية ذات العلاقة.
وتبين مديرة مديرية ذوي الإعاقة والصحة النفسية في وزارة الصحة الدكتورة ملاك العوري أن الأهمية كبيرة في مجال التدخل المبكر للأطفال من ذوي الإعاقة تبدأ عند الأسر ومن ثم المجتمع، لمساعدته على تلقي البرامج التأهيلية والمساندة وجلسات التدريب النطقي وتعديل السلوك والعلاج الوظيفي والتأهيلي مبكرا، فهذا له أثر كبير في استقرار و تحسن الحالة و تفادي أي مضاعفات.
وترى العوري أن الوعي لدى أسر الأطفال ذوي الإعاقة يعتمد على مستوى التعليم والوضع الاقتصادي والاجتماعي والبيئي للأسرة و الأهل.
مواجهة الإنكار
مرت أيام و شهور ووالدة الطفلة «نهلة» تحاول أن ترفع ستار الإنكار وتستوعب حقيقة وضع ابنتها.
الحكاية بدأت عندما رأت تغيرات ظاهرة على طفلتها الجميلة في عامها الثاني، ففي الوقت الذي كانت تحرص فيه على مراقبة علامات نموها بشغف، توقف كل شيء بشكل مفاجئ لتعزل نفسها عمن حولها، كلمات قليلة، أصوات غائبة، حتى اختفى تفاعلها مع أقرانها، وبدت عاجزة عن التواصل بلغة الجسد، كتعابير وجهها أو حتى مجرد النظر إلى عين من ينظر إليها.
تساءلت مليا: هل هذه سمات شخصية هادئة، أم أن هناك شيئا يحصل، ولم يمر وقت طويل حتى تيقنت أن هناك أمرا ما، فتواصلت مع طبيب الأطفال ليتبين بعد إخضاعها للتشخيص أنها طفلة من طيف التوحد.
الطبيب بدوره، أوصاها بضرورة التواصل المبكر مع مختصين لتقديم الإجراء اللازم.
انطوت والدة نهلة فترة من الزمن على نفسها، إلى أن زالت غشاوة الإنكار لديها، فالخطأ الشائع عند كثير من الناس أن التوحد مرض خطير يعزل الطفل عن الكون وما فيه، ولكن بعد صحوة مفاجئة، قررَتْ أن تنتزع طفلتها من ثقب التوحد الأسود الذي يوشك أن يبتلع كيانها وروحها، وباشرت في البدء بجلسات العلاج المبكر لدى المختصين، وها هي ترى ابنتها تستجيب أكثر فأكثر لتلك الجلسات.
وتؤكد مديرة الإعلام والاتصال في المجلس الوطني لشؤون الأسرة خديجة العلاوين أنه كثيراً ما تتصف الاستجابات الوالدية للطفل من ذوي الإعاقة، بالقلق والشعور بالذنب والإحباط واليأس والعجز عن مواجهة المشكلة، ثم التشكيك في التشخيص، ثم الاعتراف بمشكلة الطفل وقبول إعاقته والسعي إلى تأهيله.
وتلفت إلى أن برامج التدخل المبكر تعمل على توعية أهالي الأطفال من ذوي الإعاقة لتجاوز الأزمة وتحسين الظروف البيئية التي يعيش فيها الطفل ضمن أسرة متماسكة قادرة على رعاية طفلها بشكل سليم.
وتبين الكردي أن برامج التدخل المبكر تعمل على تقديم الدعم النفسي بعد مرورهم في مرحلة الإنكار وحتى وصولهم لمرحلة التعافي والتقبل، فالعاملون في برامج التدخل المبكر يساعدون الأهالي على تخطي فترة الصدمة، ومن ثم اكتساب المهارات لأطفالهم وتقليص الفجوة بينهم وبين أقرانهم وسط إدراك تام لوضع للطفل، ومن ثم يتم وضع الخطط والبرامج حتى تصبح الأسرة على علم بكل بما يلائم ولدها لتقديم الدعم الأكبر له، لتغدو خط الدفاع الأول عنه أمام قسوة المجتمع.
ويشير أخصائي طب الأطفال وحديثي الولادة الدكتور حاتم شحادة الى أن اكتشاف الإعاقة مبكرا وبدء العلاج المبكر مع المختصين، إلى جانب تعاون الأهل وإيجابيتهم، يساعد الطفل على ممارسة أغلب أنشطة حياته كالأطفال الطبيعين سواء بسواء، وتبعا لحالة كل طفل وظروفه الخاصة.
ويبين أن التدخل المبكر والعلاج النفسي والسلوكي هو عمود العلاج، إذ يمكّن الطفل من التواصل مع محيطه من جديد، مدعوما بعلاجات التخاطب إن تطلب الأمر، وتحسين قدرات الطفل اللغوية والإجتماعية.
ويشدد على أن دور الوالدين وتعاونهما ورحابة صدرهما له أهمية خاصة في العلاج، لتحمل مسار العلاج الطويل، فثقة الوالدين في نفسيهما وطفلهما تزيد كثيرا من فرص تحسنه وممارسة حياته بشكل طبيبعي ويزيد من ثقته وقدرته على التواصل مع الآخرين».
طريق مجهول
ويبين الشريدة أن كثيرا من أسر الأطفال من ذوي الإعاقة يعانون من عدم وجود خارطة طريق واضحة أمامهم عند اكتشاف الإعاقة، وكان غياب الوعي والإرشاد كبيرا في الماضي، ولكن الآن ومع انتشار وسائل التواصل الإجتماعي وارتقاء الوعى لدى الأفراد، نأمل أن تصل خدماتنا لأهالي الأطفال والأطفال أنفسهم بالوقت والعمر المناسبين.
ويشير الى أن 423 طفلا من ذوي الإعاقة يتلقون خدمات برامج التدخل المبكر في 16مركزا للتنمية الاجتماعية من أصل 26 مركزا.
ويلفت الشريدة إلى أن الوزارة تعمل على تأهيل 70 جمعية خيرية في مناطق المملكة، لتمكينها من تقديم خدمات التدخل المبكر، مع التركيز على المناطق البعيدة عن مراكز المحافظات والمدن الرئيسية لإتاحة الفرصة لأكبر شريحة يعانون من التأخر النمائي مع غيرهم من القاطنين في المدن الرئيسية ومراكز المحافظات.
وتؤكد طبال أهمية تعريف الأسر بهذه الخدمات وأماكن وجودها منذ اللحظة الأولى لاكتشاف الإعاقة، بالتشبيك بين الخدمات المختلفة خصوصا بين الجهات التي تقدم التدخل المبكر ودور الحضانة النهارية وبرامج التوعية الوالدية ومراكز الرعاية الصحية الأولية وكافة الأماكن التي قد يُراجعها الطفل أو يلتحق بها في سن مُبكر، لتيسير وصوله الى خدمات التدخل المبكر.
وتطالب العوري بضرورة توعية الأسر بأهمية دورها في تأهيل أبنائها، وليس الاعتماد فقط على البرامج والجلسات كون الطفل يقضي معظم أوقاته مع الأسرة.
يذكر أن برامج التدخل المبكر بُدئ العمل بها منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي على المستوى الوطني، وكانت الجهود آنذاك مبذولة من قبل الجهات التطوعية والجمعيات الخيرية، ولكن مع صدور القانون رقم 20 لعام 2017، سعت الجهات المعنية الى مأسسة برامج التدخل المبكر والتوسع في انشاء الوحدات في المراكز الحكومية، بالاضافة إلى بناء قدرات بعض الجمعيات الخيرية في تقديم التدخل المبكر بالتعاون مع العديد من الشركاء على المستوى الوطني.