يبرز مشروع إعمار مقامات الصحابة الأجلاء في مؤتة بوصفه أحد أبرز المشاريع التي تعكس الاهتمام الهاشمي المستمر برعاية المقدسات الإسلامية وصون الإرث الديني والتاريخي، حيث جاء المشروع برؤية شمولية تهدف إلى تحويل الموقع إلى قرية إسلامية متكاملة، تجمع بين البعد الروحي والتنموي والثقافي.
بلغت الكلفة الإجمالية للمشروع نحو سبعة ملايين دينار، نُفذت على ثلاث مراحل متتابعة، شملت الأولى إنشاء البنية التحتية والأعمال الإنشائية الأساسية.
فيما ركزت المرحلتان الثانية والثالثة على استكمال المرافق الخدمية بإنشاء حدائق داخل المقامات والمزارات خدمة لزوارها وأبناء المجتمع المحلي، لتمثل هذه المتنفسات عنصراً محورياً في تعزيز التجربة البصرية والروحية للزائر. ويعد مسجد الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حجر الزاوية في هذا المشروع، إذ يتصدر المشهد العمراني والديني بتصميمه المستلهم من العمارة الإسلامية التقليدية، حيث شُيّد من الحجر المحلي، وتعلوه قبة رئيسية تتوسط البناء، إلى جانب مئذنتين تمنحانه حضوراً بصرياً مميزاً. أما المدخل الشرقي فيرتبط بمقام الصحابي الجليل زيد بن حارثة رضي الله عنه، فيما يتصل المدخل الغربي بسوق تجاري يشكل مساحة انتقالية تجمع بين النشاط اليومي والبعد الروحي.
ويمتد المشروع ليشمل مقام زيد بن حارثة الواقع شرق المسجد، وتعلوه قبة حجرية تعكس بساطة العمارة الإسلامية الأولى، إلى جانب مقام عبد الله بن رواحة الذي أُنجز ضمن المرحلة الثانية.
ولا يقصُر المشروع على البعد العمراني الحديث، بل يحتفظ بعمقه التاريخي من خلال المتحف الإسلامي القائم في الموقع، الذي يعود تاريخه إلى نحو ثمانمئة عام، حيث جرى الحفاظ على طابعه المعماري الأصلي، بما في ذلك القبة الخضراء، والإبقاء على بنائه القديم الذي يوثق مراحل الإعمار خلال العصرين الأيوبي والمملوكي.
وتُظهر النقوش التاريخية المحفورة على جدرانه تواريخ ترميم متعددة في أعوام 646 و727 و752 للهجرة، في دلالة واضحة على استمرار الاهتمام بهذه المواقع عبر العصور الإسلامية المختلفة.
وفي موازاة هذا التطور، يبرز موقع «مشهد معركة مؤتة» بوصفه الشاهد الأبرز على تفاصيل المعركة، إذ يضم قوساً حجرياً يعود إلى العصر المملوكي، إلى جانب بقايا حجرات ومنشآت أثرية، فضلاً عن ُنصب تذكاري يحمل أسماء شهداء المعركة.
وتشير الدراسات الأثرية إلى وجود معالم لمسجد صغير أو موقع دفن في المكان، وتكتمل الصورة التاريخية بوجود بركة مؤتة غرب البلدة، التي تعود إلى العهد المملوكي، وقد خضعت لعمليات ترميم في فترات لاحقة، لتبقى شاهداً على الاستخدامات المائية المرتبطة بالموقع.
ورغم ما يحمله الموقع من قيمة دينية وتاريخية كبيرة، إلا أنه واجه في فترات سابقة تحديات تتعلق بضعف الخدمات والبنية التحتية، إلى جانب تعرضه لبعض الممارسات السلبية من اعتداءات وتخريب، ما أثار مطالبات مجتمعية بضرورة تكثيف الجهود لحمايته وتأهيله، ليواكب مكانته في الوجدان الإسلامي والتاريخ الوطني، ويُقدم بصورة تليق بأهميته كوجهة للسياحة الدينية.
وفي هذا السياق، تعمل اللجنة الملكية لإعمار مقامات الأنبياء والصحابة، وفقا لرئيس قسم الإعلام والثقافة الدكتور يزبد الحجاج، على تنفيذ خطة تطوير شاملة لموقع «المشهد»، تقوم على ثلاث مراحل رئيسية، بدأت باستكمال استملاك الأراضي وتوسيع مساحة الموقع من ستة إلى خمسة وسبعين دونماً، تلتها مرحلة تطوير وتأهيل ستشمل إنشاء مبانٍ خدمية ومعارض ومتحف عسكري، إلى جانب تنفيذ أعمال الترميم والصيانة.
فيما تتضمن المرحلة الثالثة ربط الموقع بمقامات الصحابة عبر ممرات مخصصة للمشاة وعربات الخيل، مدعومة بمحطات خدمية ولوحات تعريفية تسرد تفاصيل المعركة وتوثق أحداثها. ويوضح الحجاج أنه طرح عطاءٌ لتنفيذ هذا المشروع بقيمة تقارب مليونا ونصف المليون دينار، وبمدة تنفيذ تصل إلى 16 شهراً، في خطوة تهدف إلى تحقيق التكامل بين البعدين التاريخي والخدمي، وتعزيز حضور الموقع ضمن خريطة السياحة الدينية في الأردن.
وفي هذا الإطار، يؤكد رئيس لجنة بلدية مؤتة والمزار الجنوبي السابق المهندس إبراهيم النوايسة أن الجهود التي تقودها اللجنة الملكية تمثل نقلة نوعية في تعزيز مكانة مؤتة على خريطة السياحة الدينية.
ويشير إلى أن المشروع يعكس رؤية متكاملة تجمع بين الحفاظ على الإرث التاريخي وتطوير البنية التحتية والخدمات. ويقول إن هذه المشاريع تسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية في المنطقة، وتفتح آفاقاً جديدة أمام أبناء المجتمع المحلي.
من جانبه، يثمّن الناشط المجتمعي والتربوي حيدر الطراونة الدور الكبير الذي تضطلع به اللجنة الملكية، ويرى أن ما تشهده مؤتة من أعمال إعمار وتطوير تعزز الهوية التاريخية والوطنية للمكان، وتعيد تقديمه للأجيال بصورة تليق بعظمته. ويشدد على أهمية إشراك المجتمع المحلي في حماية هذه المواقع والحفاظ عليها، بما يضمن استدامة هذا الإرث للأجيال القادمة.