لم ينفجر برميل البارود السياسي بين السعودية والولايات المتحدة كما حدث الأسبوع الماضي، حيث تبادلت الإدارتان الأميركية والسعودية الاتهامات والدفاعات فيما يتعلق بتخفيض «أوبك بلس» لإنتاجها من النفط في ظل الحرب الروسية الأوكرانية التي تسببت بأعنف أزمة لأوروبا وبريطانيا والولايات المتحدة التي خرج رئيسها جو بايدن باتهامات مباشرة للسعودية بأنها تآمرت مع روسيا لمحاصرة الغرب الذي ينتظره فصل الشتاء القارس، ما جعل الحكومة السعودية تخرج بمنابزة قوية تدحض افتراءات المسؤولين الأميركان حول اتهامهم بخنق الغرب نفطياً.
تاريخياً، قام الملك الراحل فيصل بن عبدالعزيز بقطع توريد النفط الى الولايات المتحدة والدول الأوروبية الداعمة لإسرائيل في حربها مع مصر وسوريا عام 1973، ما اضطر الرئيس نيكسون للطيران الى الرياض مستجديا، وتبعه وزير الخارجية كيسنجر، ومع ذلك لم يخضع الفيصل للاملاءات الغربية، حيث اصطفت طوابير المركبات لأبعد من كيلومتر للتزود بالوقود وتقنينه بكميات محدودة لكل مركبة، ولكن الملك الشجاع دفع الثمن غاليا حيث أغتيل بعد سنتين.
وفي مقابلة تلفزيونية للملك فيصل عقب عودة ضخ النفط مجددا،مع مراسل أميركي، سأل المراسل الملك: لو وقعت حرب جديدة مع العرب، هل سيكون هناك حظر للبترول؟، أجاب الفيصل: نحن لا نرغب بحظر ضد أحد، ونتمنى أن لا تضطرنا الظروف لعمل شيء لا نرغب به، ثم سأله مجددا عن تصوره لمستقبل السعودية بعد خمسين عاماً، فأجاب الملك فيصل: نحن نريد للمملكة أن تكون بعد خمسين عاماً مصدر إشعاع للإنسانية والسلام، يسكنها شعب مؤمن بالله وبتقاليده وأخلاقه الإسلامية، وأن يبني البلاد على أسس راسخة والأخذ بالعلوم الحديثة النافعة والتفوق الصناعي والكنولوجي.
اليوم يمثل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مركزا قويا في أكبر دولة منتجة للنفط والطاقة، وقد بات راعيا لمنجزات حولت بلاده الى مسار يشي بنبوءة عمه الفيصل، فبعد ست سنوات قضاها في الحكم، ولأول مرة منذ عام 1973 تواجه السعودية بكل صلافة إملاءات المسؤولين الأميركيين وحلفائها، حيث أدرك أن الحرب التي شنها الرئيس الروسي بوتين هي الفرصة المواتية لتعزيز موقع بلاده على سلم قمة العشرين، ولمَ لا والمفتاح بيده، ولهذا شهدنا اسبوعا ماضيا مليئا بالاتهامات الأميركية المباشرة التي استهدفت مسؤولين سعوديين واتهامهم بالتآمر، رغم أن السعودية قبلت مقترحا أميركيا قبل سنتين لزيادة انتاج أوبك بلس مشاركة مع موسكو.
الأميركيون اليوم يبدو أنهم فقدوا برودة أعصابهم، وهم يشنون هجوما حادا على السعودية، واتهامات بأنها تضع عبئا كبيرا على التضخم العالمي، بعد قرار أوبك بلس تخفيض إنتاجها بمقدار مليوني برميل يوميا ابتداءً من الشهر القادم، وذلك الشهر سيكون امتحانا عسيرا في ظل الانتخابات النصفية، بيد أن السعوديين دحضوا الاتهامات ونفى وزير الخارجية أي استهداف لواشنطن بل وصف الادعاءات بأنها تصريحات عاطفية قبيل الانتخابات، ولكن الحقيقة المرة التي يتجرعها الرئيس بايدن أن ارتفاع أسعار الوقود لا مفر منه إن لم تتراجع أوبك عن قرارها.
من هنا يظهر كيف أن أي دولة تستطيع أن تفرض قراراتها أمام أعتى قوة دولية، خصوصا إذا كان النفط هو السلاح، ولسان الحال يقول يكفيكم هيمنة على دول الشرق الأوسط وتطيير تحذيراتها لسحب القوات المتموضعة في الخليج والسعودية، في ظل تململ أميركي مداهن لإيران، ولكن السؤال المستقبلي هل ستبقى تلك القوة المانعة في وجه أكبر دولة عالمية، ليبدو الجواب أنه نعم يمكن في ظل انقسامات سياسية حادة أكانت في أمريكا أو الاتحاد الأوروبي، فأي استيراد للطاقة والمحروقات من أي دولة غير السعودية وروسيا لن يفيّ بنصف حاجة تلك الدول.
ما تحتاجه السعودية اليوم هو تعزيز سفاراتها بطواقم سياسية ودبلوماسية عالية الكفاءة سياسيا واقتصاديا، دون مجاملات لا تقدم ولا تؤخر، بل يجب تعزيز إدراك دبلوماسييها بأن القوة اليوم في خلق تحالفات أكثر قرباً خصوصا مع الدول العربية التي تستطيع اختراق مراكز القرار في الولايات المتحدة وغيرها من الدول المؤثرة دون انتظار متغيرات قد لا تأتي بخير.
فالمعركة السعودية مع الغرب ستشتعل أكثر ما دامت الحرب الروسية قائمة، فالغرب يريدون أوكرانيا كحصان طرواده ليهزموا روسيا، وهذا لن يحدث، فالدول الأوروبية باتت أقرب الى الانفصال، بعد تخلي بعض الدول عن الاصطفافية، فهم يريدون مصالحهم، ومهما طالت الحرب لن تخسر دولة تنتج الغاز والنفط حرباً مع دولة تنتظر توريد السلاح لها، وحتى إن تدخلت السعودية في خفض الإنتاج كما تتهمها واشنطن فهي تحمي مصالحها، فيما هم يبحثون عن بقرة حلوب، ولكن في النهاية سترضخ الإدارة الأميركية بعد شهر من اليوم مع الانتخابات النصفية وتصريحات بايدن المستفزة لدول الشرق.
Royal430@hotmail.com