مثلت الخطابة دورًا مهمًا في الرواية السياسية الأردنية، ومنطلقها إيمان جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين بقوة صدق الطرح ومنطقه، وأن صوت الحكمة في المحافل الدولية يمكن أن يحدث فرقًا -وقد فعل ذلك في الدورة السابعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك.
من المؤكد أن خطاب جلالته» ناقوس الخطر» احتل مرتبة عالية في مَجمع الخطابة الدولية، وما الذي يمكن أن يكون أكثر جدارة بذلك من الدفاع عن مستقبل أفضل يخدم مصلحتنا المشتركة، مستقبل من الكرامة والأمل يوفر فرصا جديدة لجميع شعوبنا.
تناول الخطاب الملكي المآزق التي تواجه عالمنا، من أزمات إقليمية ذات تداعيات عالمية، وتغير مناخي وآثاره، إلى انعكاسات جائحة كورونا المتنوعة من عنف وتطرف، وتضخم متسارع، وكساد اقتصادي وشيك، وواقع يواجه الكثيرين حول العالم بانعدام الأمن الغذائي، سيما في الدول النامية الأكثر تضررا جراء ذلك.
وفي سياق الحديث عن كل هذه الاضطرابات وضع جلالته الأردن نقطة ربط حيوية للشراكات الإقليمية والتعاون والعمل للتصدي للأزمات الدولية وتوفير الإغاثة الإنسانية، ولأن رياح التغيير تهب في العالم، سواء أحببنا ذلك أم أبينا، تبقى العقلانية الأردنية حقيقة سياسية في التعامل مع إرادة المجتمع الدولي وحث العرب على الاستيعاب الكامل لقدرات خصومهم وخططهم. والعمل على منع الحروب الإقليمية خاصة ما يترتب عليها من تأثيرات متعلقة بملف عملية السلام.
إذن يؤكد موقع الخطاب على تأثيره. وهنا خاطب جلالة الملك مجتمع رؤساء الدول والحكومات وممثلين رفيعي المستوى في الدورة السابعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة حول نقل الشرق الأوسط من منصة للصراعات والأزمات إلى مثال في الصمود والتكامل، مؤكداً أن كل ذلك لن يتم دون حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والحفاظ على هويته الوطنية المنيعة.
ولان الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس تحتل مكانة خاصة في قلوب وعقول الهاشميين أصبحت مكونًا لا غنى عنه في الخطابات الملكية، ولعل أبرز ما فيه هو وضوح جلالته بشأن الدفاع عن المقدسات المسيحية والاسلامية معاً حيث جاء تأكيد جلالته الالتزام بالدفاع عن الحقوق والتراث الأصيل والهوية التاريخية للمسيحيين، وخاصة في القدس. فالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية بالقدس هي شرف ومسؤولية، ومن ضمن أهدافها الحفاظ على وحدة جميع الكنائس، والأهم من ذلك وحدة المجتمعين الإسلامي والمسيحي.
وضع القدس من أكثر القضايا حساسية وإثارة للجدل في الصراع، مع تداعيات تتجاوز الأطراف نفسها. بسبب تأثيره العاطفي والذي يحتمل أن يكون متفجرا، لذا فإن الخطر الحقيقي الذي تحدّث عنه الملك بخصوص الأماكن المقدسة في القدس، يجب أن يصبح فصلاً رئيسياً في برامج عمل الحكومات الأردنية مع ضرورة تحديد الأولويات بوضوح للمضي إلى الأمام ولمتابعة جهود جلالة الملك، وتقديم توصيات مباشرة إلى السفارات الأردنية لإيصال البرنامج الاردني لحماية القدس وتحقيق مطالبه إضافة إلى ضرورة تضافر جميع الجهود بهذا الصدد.
لكل ما سبق فإن وقع الخطاب الملكي لن يكون مريحا للجانب الإسرائيلي طبعا، فلطالما رأت الحكومات الإسرائيلية في جلالة الملك صوتا دوليا مرعبا يفضح بسلاح العقلانية والاتزان كل المحاولات الإسرائيلية لتهويد المدينة المقدّسة وعدم احترام التنوع الديني... وبالتالي فإن خطاب جلالته المؤثر يستحق ويتطلب منا أيضا الاستعداد لمواجهة حملة تشكيك في مواقف المملكة مصدرها تل أبيب، تماماً كعادتها في تشويه الموقف الأردني والتشويش عليه.