رغم أن نص مسرحية «الفيل» التي عُرضت في مهرجان صيف الزرقاء المسرحي بدورته العشرين، مُعَدّ عن نصّ «الفيل يا ملك الزمان» لسعد الله ونوس، إلا أن هذا الإعداد الذي يحمل توقيع شذى يونس اتسم بالإضافات التي تتصل بأحداث سياسية واجتماعية تجري الآن بين ظهرانينا.
فالنص الأصلي للمسرحية يتحدث عن معاناة أهل قرية بسبب تنقل فيل الحاكم بين بساتينهم والعبث فيها، فيتفقون أن يقول أحدهم أمام الحاكم: «الفيل»، لتكمل مجاميع الفلاحين الذين تضررت مزروعاتهم بصوت واحد: «خرّب وأهلك مزروعاتنا». لكن خوفهم من بطش الحاكم جعلهم يقولون بعد وصولهم إلى قصره: «جئنا لندعوك أن تجد زوجة للفيل الوحيد».
بينما تُظهر المسرحية التي قدمتها فرقة «مسرح الحرية» بمركز الملك عبد الله الثاني الثقافي في الزرقاء، استعراضاً حافلاً بالمرح والتسلية قدمه المؤدّون وفق تقنيات السيرك، وبدت حكاية الفيل جزءاً من هذ الاستعراض.
وجاءت حكاية الفيل في الجزء التالي للمشاهد الافتتاحية، التي تحدثت عن جائحة كورونا، وأظهرت هذه المشاهد مؤامرة تم من خلالها تمرير قرارات سياسية واقتصادية.
وعبّر الممثلون بطريقة سلسة لا تخلو من السخرية السوداء، عن رسائل ناقدة من خلال أغانٍ، على غرار: (إلى متى يا حكومة)، و(إلى أين يا حكومة)، و(يا رئيس افتح الباب لا تخرب بيوت العباد).
ثم تتماهى الأحداث التي جاءت في منحىً واقعي وتندغم مع فكرة حكاية سعد الله ونوس؛ إذ تبدأ المجاميع الناقدة بتغيير خطابها المتذمر والناقد، إلى مديح بعد أن تحضر سطوة شخصية (الرئيس): (كل هؤلاء يشكروك على جهودك)، و(يا سيادة الرئيس.. ياصاحب الفخامة)، فيرد عليهم الرئيس: (أنا أصلا ناسيكم)، فيردون عليه: (كلنا فداؤك).
وطُرحت تلك الرسائل والمقاصد والأهداف، برؤية إخراجية أخذت في الاعتبار جماليات المنظور المسرحي، الذي عادةً ما يتشكل من قطع الديكور التي تظهر تصميمه ومساقطه وحيزاته ومسطحاته، متناغماً مع قيم النص الدرامي ومعانيه. فلجأ الإخراج إلى تقديم المنظر المسرحي الدلالي، من خلال أداء الممثل، بعيداً عن جماليات الديكور الأيقوني، ذلك أن قطع الديكور تشكل مشكلات في حال أنشأته ضمن الرؤية البصرية للمسرحية، وبخاصة أن فرقة مسرح الحرية التي قدمت هذه المسرحية، تعرض في المخيمات والقرى البعيدة عن المدن الفلسطينية، ناهيك عن حواجز الاحتلال، فتلجأ للتخفف منه نهائياً.
فكان إنشاء السينوغرافيا الديكورية عبر أداء جماليات الممثل يخدم وصول المسرحية للأماكن الشعبية المتوخى الوصول إليها. إلا أن الأهم في هذا العرض، أن المشاهد وفي سياق نظام التواصل الفعال الذي صممته الرؤية الإخراجية بالشراكة مع الممثل الواعي لدوره، يشعر أنه أمام مجسدات ديكورية واقعية ثلاثية الأبعاد.
فقد جسد الممثلون ببراعة منظور الطاولة المستطيلة التي ألقت شخصيةُ الرئيس خطابها قربها، واستُخدمت اليد في أكثر من منظور؛ كميكريفون، أو بوصفها سوراً للتأكيد على التباعد الاجتماعي، أو سيارة إسعاف تنقل المصابين، وإلى غير ذلك من المنظورات السينوغرافية التي جسدها الممثلون مجازات بصرية، ذات مدلولات بلاغية، عمقت المعنى، وأسهمت مع عناصر العرض الأخرى في إنشاء التوتر والشحن الدرامي.
ومما ساهم في إنجاح ظهور المنظورات البصرية فعالة دلالياً، أن أزياء الممثلين كانت بيضاء تجريدية تخلو من أي نقوش أو خطوط قد تشي بمعانٍ أيقونية، عدا ملابس شخصية (المايسترو) أو قائد الفرقة، التي تشي تصميماتها، لوناً وخطوطاً ونقوشاً، بوجود هذه الشخصية.
وبشأن أنساق الأداء السمعي فقد تكفل بها صوت الممثل غناءً، وحواراً منطوقاً وغير منطوق، بحيث أغنت عن وجود الموسيقى والمؤثرات الصوتية الأخرى.
ويشكل هذه العرض استعادة لألق المسرح، إذ يبرز الممثل بوصفه العنصر الدلالي الوحيد على خشبة فارغة إلا من جماليات أدائه الذي يؤثث فضاء المسرح بمختلف علاماته السمعية والبصرية.
أخرج هذا العرض الجماعي أحمد الطوباسي، ونهض به: إيهاب عايد، شذى جرار، جمال جعص، معتصم أبو حسن، خالد فرج الله، مصطفى شتا، محمود طوابشة، مؤمن سعدي، وأحمد طوباسي.