قبل نحو سبعة عشر عاماً، كتبتُ هنا في الراي، عن «امتلاك الشرق بأسلحة بدائية..». لم يكن الرئيس السوفييتي السابق، «ميخائيل غورباتشوف (1931-2022)» حينها، قد رَحل.
ولكن..
في مطلع التسعينات، خاطب «مستشار غورباتشوف» الأميركيين قائلاً: «إننا نُسدي إليكم شيئاً رهيباً. إننا نُحرّركم من الأعداء». وقد تكررت تلك العبارة، على نحو مختلف، في رواية مغاربية حيث يقول الراوي حزيناً: «بعد أن حُرمنا من الأعداء، أصبحنا على أشد الاستعداد لتوجيه أفواه بناقدنا ضد بعضنا». وقد تنبه إلى دلالة تلك العبارات وخطورتها عدد كبير من المفكرين، والخبراء الأميركيين، فالفراغ الذي أحدثه الانتصار الأميركي في الحرب الباردة نظر إليه هؤلاء المفكرون على أنه لعنة قد تُودي وتعصف بإنجازات تاريخية وإنسانية كاملة. فالتفتت ونشوء العصبيات من جديد هما، وحدهما، ما يبدو أنه يتحضّر لملء هذا الفراغ.
إنّ تبلور الهوية هو حاجة إنسانية قديمة ومتشعّبة، وهي لا تتكشف إلا بالاحتكاك مع الآخر. وفي رأي أحد المفكرين العرب، الذين يعيشون في الغرب، فإنّ «أزمة الهوية لا تظهر إلا في المجتمعات التي تدخل ديناميكية الحداثة».
غير أن المُفارِقَ فيها هنا هو أنها حداثة تتحدّد على انها علاقة بين غالب ومغلوب، يكون فيها الغالب هو القادر والمبادر لطرحها، جاعلاً من وظيفة الهوية عند المغلوب أزمة تدوم بدوام غلبته. وكأنّ الصراع على امتلاك المشرق وتاريخه يعود هذه المرة بسلاح بدائي، مطلاً على العالم عبر نوافذ؛ العرق، والمذهب، والطائفة، والهوية..!
في الزمن الهارب من أصحابه، تُحلِّقُ الأفكار والأحلام في فضاءاتها، لتعود ثانية للاصطدام بواقع تسرّبت خيوطه، منذ أزمان، كالرمال من بين الأصابع. وهو زمن يعيش فيه الغالب والمغلوب حياة يشتبك فيها الماضي والمستقبل، بحيث يستعصي على كليهما امتلاك الحاضر. فالغالب لا يكتفي بمصادرة تاريخ المغلوب والحديث باسمه وعنه، بل يذهب إلى ما وراء التاريخ.
أما المغلوب، فلا يجد سوى اللجوء إلى ما قبل التاريخ، دفاعاً عن نفسه وذاته. فعلى الرغم من أن حجم المؤلفات الغربية، التي تبحث في المشرق العربي، تجاوزت ستين ألف مؤلف، خلال مئة وخمسين عاماً، منذ مطلع القرن التاسع عشر، إلا أن صفة «الاستبداد» ظلت ملصقة بالمشرق، في الخطاب الاستشراقي، كصفة تترافق بالصفة العربية الإسلامية. وتسهيلاً لفهم المشرق العربي وإدراكه، انطلقت عبارة المستشرق «رينان» الشهيرة: «الخيمة والقبيلة» كالسحر، لتفسير الطبيعة العضوية للاستبداد في الشرق الأوسط. وفي سياق تلك العبارة «الخيمة والقبيلة»، لا يؤخذ العرب إلا جماعات، لا فرادة فيهم ولا تميّز ولا استثناء. وعليه، فلا وجود في الخطاب الاستشراقي الغربي لمشرق معاصر. بل خَطْفٌ لذاكرته كمغلوب، أو على أحسن تقدير طمس لمعالمها وملامحها المفيدة. وهو خطف وطمس متعمّد ومنظّم، يبقى فيه المغلوب دوماً على حافة الهاوية، أي على حدود التنازل والتخلّي عن أقرب حواضره.
وعلى هذه الحافّة، يظل العرب في هذا الخطاب كما هم؛ لا ابداع ذاتياً عندهم، ولا تحوّلات ولا تغيير ولا تجارب. وهي مصادرة للذاكرة بغرض إدراج العرب ضمن وحدانية الغرب للحضارة المستقبلية. وحدانية لا وجود فيها لمن يحتجّ على الهيمنة، بسبب فقدان الذاكرة وطمسها. لهذا، فإن المشرق العربي دائم الاعتصام بماضيه، الذي يملك شيئاً من الجبروت والممانعة، وهو دائم الحنين والمناجاة له.
وفي الزمن الهارب إيّاه، فإن المغلوب بطبيعة حاله لا يعيش في حاضره، فهو دائم التطلّع إلى منفاه التاريخي. أما الغالب، فيتطلّع إلى اللحظة التي يتبدّد فيها المغلوب ويتلاشى إلى حيث (اللا) زَمن. تلك هي أحلام الغالبين والمغلوبين، المحلّقة في الزمن الهارب من أصحابه. إلا أن الغالب فيه يصطدم ويُفاجأ بعنف انتفاضة المغلوب، وأحياناً بشراسته. أما المغلوب، فيبقى مستغرباً مدهوشاً من تكرار اخفاقاته.
وعلى الرغم من كلّ ذلك، فلا تفكّك الاتحاد السوفيتي حرّر أميركا من الأعداء؛ ولا تفتيت المشرق بأسلحة العرق والدين والمذهب البدائية مكّن الغربُ من امتلاك المشرق؛ ولا مشكلات العرب المعاصرة بقيت محصورة في نمطيّة «الخيمة والقبيلة».
وفاة اليزابيث الثانية عن 96 عاماً
تشارلز الثالث الملك الجديد للمملكة المتحدة
عواصم - أ ف ب
خاطبت رئيسة الوزراء البريطانية ليز تراس الأمير تشارلز الذي بات تلقائيا الملك الجديد للمملكة المتحدة بعد وفاة والدته اليزابيث الثانية «جلالة الملك تشارلز الثالث».
وقالت تراس التي كانت استقبلتها الملكة الراحلة الثلاثاء «امس، ينتقل التاج، كما حصل منذ اكثر من الف عام، الى ملكنا الجديد، رئيس دولتنا الجديد، جلالة الملك تشارلز الثالث». وتوفيت الملكة إليزابيث الثانية، التي تولت العرش لأطول فترة في تاريخ المملكة المتحدة، عن عمر يناهز 96 عاماً، حسبما أفاد قصر باكنغهام امس. وخلفها ابنها الأكبر تشارلز البالغ 73 عاماً تلقائيا، عملا ببروتوكول عمره قرون، ليبدأ فصلاً جديداً غير واضح للعائلة المالكة، بعد فترة حكم الملكة التي حطّمت الرقم القياسي بتبوّئها العرش لمدة سبعين عاماً.
واثر ذلك نُكّس العلم البريطاني فوق قصر باكنغهام الذي تقاطرت إليه جموع غفيرة مساء امس إثر إعلان القصر الملكي وفاة الملكة.. وفور إعلان رحيل الملكة انفجر المحتشدون أمام القصر بالبكاء وسط صمت مطبق خيّم على المكان، بحسب ما أفاد صحافي في وكالة فرانس برس، في حين بثّت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» النشيد الوطني البريطاني.
وعم الترقب بريطانيا امس بعدما أعرب أطباء الملكة إليزابيث الثانية عن قلقهم بشأن وضعها الصحي فيما تجمعت عائلتها في قصر بالمورال في اسكتلندا حيث تتواجد. وأعلن قصر باكينغهام في بيان هذا الصباح، عبر أطباء الملكة عن قلقهم إزاء صحة جلالتها وأوصوا بان تبقى تحت المراقبة الطبية».
ووصل ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز (73 عاما) مع زوجته كاميلا الى بالمورال حيث تمضي الملكة سنويا نهاية الصيف، وكذلك ابنتها آن. وكان ولداها الآخران الأميران أندرو وادوارد وصلا الى اسكتلندا بعد الظهر. في آخر ظهور علني لها، صادقت الملكة رسميا الثلاثاء على تعيين ليز تراس في منصب رئيسة الوزراء، لتصبح رئيس الحكومة ال15 خلال 70 عاما من تولي الملكة العرش. وكانت قررت البقاء في بالمورال بدلا من العودة الى لندن حيث ينظم عادة حفل التسليم والتسلم بين رئيسي الوزراء، بسبب مشاكلها الصحية.
أظهرت صور بثها القصر الملكة مبتسمة وهي تستند الى عصا وتصافح ليز تراس.
وقالت رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة «البلاد بأسرها ستشعر بقلق عميق إزاء الأخبار الواردة من قصر باكينغهام ظهرا» مضيفة «أفكاري وأفكار كل سكان بريطانيا تتجه الى جلالة الملكة وعائلتها».
كانت رئيسة الحكومة البريطانية تتحدث امام البرلمان قبل ان يعلن القصر الأنباء عن صحة الملكة وغادرت مجلس العموم بعد تلقيها بلاغا خطيا.
مساء الأربعاء، أعلن القصر أن الملكة أرجأت اجتماعا عبر الانترنت بعدما نصحها الاطباء بالخلود الى الراحة.