هو النسيجُ يبلغ ذروة قوته وعظمته في اختفائه. ويصل إلى منتهى الجمال ببساطة تماسكه. وإذا واصل النسيج استعراض قدرته، بمَدّه خيوط التواصل والتشابك لنسيج آخر، فإنّ فكرة النسيج تنتهك حدود القوة القصوى؛
الطبيعة نسيج. وكائناتها الحية وغير الحية نسيج، واجتماع الناس نسيج؛ سكناهم، وعيشهم، وتواصلهم، وأسواقهم نسيج. بالتنظيم والدقة ينشأ أرقى أنواع النسيج. وللفوضى والعشوائية أيضاً نسيجهما الواهن. وللجيوش نسيجها، الذي تصنع به آلتها الحربية، التي قد تكون ضعيفة أو مدمِّرة، بحسب متانة النسيج ودقّته. حِبال الليف المتينة، التي كانت تُربط بها السفن، نسيج، فتشدّها إلى مراسيها. وباستبدال خيوط الليف الرقيقة، بأسلاك معدنية نحيلة، صارت الحبال المعدنية المجدولة، كنسيج، تربط أضخم البواخر إلى اليابسة. وبها، أي بحبال النسيج المعدني، تُرفع أعلى الجسور المعلقة، بين الجبال وفوق الأنهار الكبرى، فتعبرها مسرعة أو على مهل أكبر الحافلات.
بأنسجة الأوعية الدموية، يصل الدم البشري إلى كلّ أجزاء الجسم. وبأنسجة الجلد، يتكوّن ذلك الوعاء العجيب، الذي يحوي مكوّنات الجسد البشري، من عظم ولحم وسائل قاني.
بنَسيج العواطف والمشاعر تفرح النفوس وتحزن، وتغضب وترضى، وتكتئب وتستبشر، وتأمل وتيأس، وتشجن وتغتمّ. بالنسيج تسترُ الأجسادُ عُريها. وبنسيجِ الأفكار واليقين، أو القلق، تعيش الأرواح حيواتها الأولى، ومن دونه تصعد إلى محاريبها، أو إلى قناديل بحارها.
بنسيجِ القشِّ الهَشِّ تبني الطيورُ أعشاشَها، وبنسيجِ الغصون المتشابكة ترفع الأشجارُ تلك الملاذات الهشّة عن مخاطر الأرض، وما يدبُّ عليها من نسيج مخاطر وكائنات مفترسة.
في الحارات، وفي القرى النائية، وفي عمق الريف، ينسج البسطاء حياتهم، نمطاً للعيش البسيط على منوالهم؛ أرضٌ سخيّةٌ، وماءٌ وَفير أو شَحيح، وسواعد تحرث وتجني بكدٍ لا يشكو. وهناك، تنسج الطبيعة أيضاً أنسجتها بجمال عجيب؛ سفوحٌ خضراء، تطرّزها الألوان بوفرة مدهشة.
وللمواسم نسيجها؛ فهذا ربيع يتباهى بألوانه على ارض سمراء. وذاك خريف يُسقط ما تعالى من أوراق وألوان، ليكسو الأرض السمراء، ببساط غير مألوف، فتعجب به الأرض هنيهة، ثم تلتهمه طعاماً، لها ولمن يطلب الرزق منها من كائنات، في المواسم الشحيحة. وذاك شتاء لا يكفُّ، بأمطاره وثلوجه، عن النَّسج المتواصل بين السماء والأرض. وهذا صيفٌ تكفيه الشمس عناءَ التعب، بمدّ خيوطها أشعة على الأرض والفضاء، لمن شاء أن يتمطّى، ولمن شاء أن يغزل.
بالنسيج الدقيق، صنعت الشعوب القديمة، بأيديها، أجمل السجاد «العجمي» الباهر، وما زالت به تتباهى. وبالنسيج الدقيق، انتجت الشعوب المعاصرة، بنسيج تقنياتها ومحركاتها الصناعية، أعظم ما وصلت إليه الحضارة البشرية. بالدقّة والتنظيم والمثابرة، وصل النسيج القديم إلى أقصاه. وبمزيد من أصول صناعة النسيج القديم، على مستوى البشر والأشياء، وصل النسيج إلى النسيج، فتكونت أنسجة الحضارة الحديثة العظمى.
بالتأمّل والتأنّي، تصل النفوسُ والعقولُ والأرواحُ إلى أسرار النسيج، وبتلك الأسرار تتفجر في الأفراد والمجاميع طاقات لا يَحدُّها أحد.