يبدو أنّ الظروف في محيطنا، تزداد صعوبة على المستويات كافة، فلا استقرار واضح المعالم في عددٍ من دول الإقليم، ولا مشروع دولياً ينشغل بالمنطقة بحثاً عن صيغة أو مشروعٍ هادفٍ وذلك إثر الانشغال في الحرب الأوكرانية.
ويبدو أنّ هذا الفراغ الإقليمي والدولي، يدفع بالساسة في إسرائيل، إلى مزيدٍ من التغول، والتطرف، والغرق في لعبةٍ انتخابيةٍ مادتها القدس واقتحاماتها الأخيرة، والتي تصاعدت مؤخراً، ووصلت في صلفها إلى حد اقتحام المستوطنين الأقصى، من باب الأسباط لأول مرة، منذ عام 1967م.
الأردن، أعاد التجديد على رفضه لهذه الاقتحامات، ومحاولات فرض أيّ تغيير في «الأستاتيكو» في القدس المحتلة، ولا يزال على موقفه، بقيادة جلالة الملك، في مواجهة «محنة القدس» التي تأتي في زمنٍ عربيٍ غير مسبوق.
واليوم، يخوض الملك الصابر المرابط عبدالله الثاني معركة الشرعية في القدس، في ظرفٍ دقيقٍ، وفي وقت تحالفت فيه قوى الصلف مع بعض من شابهم الوهن، ويبقى الأردن صابراً، يجعل من سني العسر يسراً مهما طالت محنها..
هذه الحالة، أو المعركة التي يخوضها الأردن، لأجل القدس، وفلسطين، لطالما كانت سمةً في تاريخه، فسنو العسر في تاريخ بلادنا، أطول من سنين اليسر، ومنذ تأسس الوطن ووقف الشيخ الجليل الملك المؤسس الشهيد–طيب الله ثراه- على حافة معان عام 1921 ينشد الرجال لتحرير سوريا مما أصابها، ومنذ رفع خطاب التحرير تواطأت عليه الظروف، وسريعاً ما أنشب أظفاره الانتداب ليحد من الحلم، وليزيد هذا الوطن من الإصرار، فسمي مشرقاً عربياً بانتظار أن يتكون الحلم، ووجد الملك المؤسس نفسه وحيداً محاطاً ببعض الرجال الأشداء في حين إنسدل كثر إلى خدمة الانتداب ومنهم من يمم وجهه ينشد راتباً عند عدو، ورغم ذلك بقي مرابطاً في عمان يشيد صرحاً.
ولم تمنعه نكبة فلسطين، من التوقف ولو حيناً، إذ واجه الصلف الصهيوني، حاملاً حلم الوحدة ليكون ويتحقق، فما كانت سنين عسر أمست لاحقاً يسر وتحققت وحدة عز نظيرها بين الضفتين لتتشكل لاحقاً وجداناً عربيا، لا مثيل له في تاريخنا العربي المعاصر.
وميزة ملوك بني هاشم، أنهم يشكلون وجدان الشعوب ويحملون مشروعا ضارب الجذور، بامانيه الشعبية، قبل أن يشكلوا الجغرافيا، فأصالة الشرعية تمحو كل فوارق، وتعزز كل أواصر تواصل.
وكثيراً ما عبر الوطن في عهد الملك الصابر المرابط الحسين بن طلال–طيب الله ثراه- أزمات لربما كانت أشدها في منتصف عقد الخمسينات، حين أغلق الأشقاء الحدود وأداروا ظهرهم لالتزاماتهم التي وعدوا بها وما أتت، وفتحت إذاعات الأشقاء موجاتها تحاول أن تأتي على الأردن، ولكنهم مضوا وبقي الأردن... ليتبعها سنو عسر لاحقة في ضياع الضفة الغربية، التي كانت ثمناً لأيديولوجيات لم توافق الأردن رؤاه، وسايرها الأردن على علمه بنتائجها.. ولكن لم يكن بالامكان أن يصدر من الأردن عناد في عمل عربي مشترك..
ومطلع تسعينات القرن الماضي كانت استدارة أخرى أغلق خلالها منفذنا البحري في العقبة، ومررنا بظروف صعبة وعبرنا..
ختاماً، الأردن أصيل بشرعيته ووجوده وما مر عقد عليه لم يكن له معركته التي خاضها، وعبر من كل معاركه وهو أقوى وأكثر شدة، والسر في شرعيته وأنه وطن ينشد حياة.. هكذا تعرب الشرعية عن ذاتها.. حمى الله الوطن الهاشمي وعلى عهد هذه الوطن، ومؤسسوه الأوفياء لعروبتهم، ولمبادئهم.
دام الأردن سنداً لفلسطين، ولمقدساتها.