حين يصل المجتمع، بمستويات حضوره المختلفة، إلى إحالة أسباب كلّ المشكلات فيه إلى السياسة، فذلك يعني أنّ المجتمع في أزمة، جوهرها سياسي، وأشكالها تتعدّد بمقدار عمق أزمة ذلك المجتمع.
فمنذ زمنٍ غير قصير، يواصل الجدل الثقافي المعرفي، السلبي والعقيم، في أوساط المجتمعات العربية احتدامَه، على هيئة عناوين، مثل؛ «لا تقدّم للعرب من بوابة «الاقتصاد والتصنيع..» إلّا بقرار سياسي»؛ و«لا تقدّم للعرب من بوابة «التربية والتعليم..» إلّا بقرار سياسي». و«لا تغيّر «للثقافة الشعبية..» إلّا بقرار سياسي». فكلّ شيءٍ يصطدم بالسياسة، تلك العقبة الكأداء، التي يُحال إليها كلّ شيء، ولا يستطيع المواطن العربي التأثير فيها، أو الإمساك بخيوطها في حياته اليومية..!؟
والحقُّ أنّ مُساءلة العرب لأنفسهم، عن أسباب تأخّرهم وتقدّم غيرهم، لم تتوقّف، ومنذ أكثر من قرنٍ من الزمان. وفي سياق ذلك، ينبغي الاعتراف بما أنجزته النخب العربية، نظرياً على الأقلّ، من «إجابات مهمّة كثيرة ومتنوعة..»، لم يسبق لشعب أن أنتج مثلها، كما يقول كاتبٌ ومفكّرٌ لبناني مرموق. وعلى الرغم من ذلك، فقد ظلّت الهوّة، غير المُجَسَّرة، عميقة وواسعة، بين ما تمّ إنتاجه ثقافياً، وبين السياسة العربية، رسمياً وشعبياً.
ولا بُدّ من الاعتراف، من أنّ هنالك «مصالح وثقافات مناهضة للتقدّم..» نَمَت وترعرعت، في داخل نموذج الدولة العربية وكيانها القُطري. وهي مصالح قوامها: التدثُّر بقشرةٍ ثقافية، ذات طابع حداثيّ شكليّ، وبمضمونٍ تقليدي أجوّف. فدخلنا في كهوف العصر، أو قُل خرجنا من العصر، وعطّل الاستبدادُ الحيويةَ الثقافيةَ والسياسيةَ معاً، وأوهَن إمكانيةَ مواصلة المشروع النهضوي العربي لمسيرته. لنصل إلى راهنٍ مُثخنٍ بحصيلة من التشوّهات الاجتماعية بالغة السلبية، وإلى حالة من الانفصام المُروّعة، بين استخدام وسائل الحداثة، وخصوصاً في «ب?ض قطاعات الإقتصاد وتقنيات الأمن..»، وبين «انتشار الثقافة التقليدية..»، كوعي شعبي سائد.
فتكوّنت أنظمة سياسية في المجتمعات العربية منفصلة عنها، ولا تشبهها في ثقافتها وتطلعاتها، ولا تُشركها في قراراتها، ولا تعطيها حرية المبادرة. فتحوّلت الثقافة التقليدية، في الأقطار العربية، إلى «قوة صَدم فاعلة..»، وإلى عامل انفجار، بديلاً من تحوّلها إلى عنصر نموٍّ منتج. وجاء «الانفجار العربي..»، قبل نَحو عقدٍ، كنتيجة تصادمٍ طبيعية، بين مكوّنات لم يعد ممكناً ضبطها بوسائل قديمة أو تقليدية.
بانفجار الحلقة السياسية للكيانات الاجتماعية، تدخل المجتمعات في دائرة العنف، المسمّاة بالحروب الأهلية، وإن اختلفت أشكالها، ما يعني فقدان القدرة على السيطرة على دوائر العنف فيها من داخلها. فتعود المسألة إلى أوّلها؛ كيف يخرج المجتمع من دائرة العنف إلى دائرة السياسة..؟ ومِن زمن «الحلول الأمنية إلى الحوار الحقيقي..»؟
فالأزمة، في جوهرها، تؤكّد خُسران المجتمع للثقةِ بين مكوّناته الأساسية. وهي ثقةٌ يصعب استعادتها على قاعدة «إرث طويل من الدم والعنف..»، إلا بمصالحات تاريخية شاملة، قوامها اعترافٌ بالآخر من دون تشويهه، أو «تغيير صورته معنوياً ومادياً..». وللمفارقة، فقد كان هذا الآخر لتوّه شريكاً ومكوّنا أساسياً في دائرة المجتمع الواحد، الذي خسر بالإدارة الخاطئة كلّ مكوّناته دفعةً واحدة، وصارت تلك المكوّنات «آخرين..»..!