فرغت قبل أيام من قراءة كتاب للفريق الطبيب يوسف باشا القسوس بعنوان «بين الجندية والطب رحلة عمر ومسيرة وطن» والذي صدر قبل شهور في احتفال بهيج شاركت فيه نخبة من رجالات البلد من رؤوساء وزارات ووزراء وأعيان ونواب سابقين وحاليين ورجال فكر وسياسة وأدب وغيرهم، وكنت من المدعوين الا أن كورونا اللعينة حالت بيني وبين الحضور.
اعتقدت بانني ساقرأ مذكرات شخصية كتلك التي اعتدت على قراءتها، لكن وجدت نفسي أمام مسيرة وطن ومسيرة رجل هندس الانجازات الطبية بدقة واتقان، رجل ذاع صيته على امتداد مساحات الوطن والعالم لما تمتع به من خبرة ومعرفة وحنكة أسفرت عن تحقيق الكثير من الانجازات لا سيما إبان تسلمه مديرا للخدمات الطبية الملكية للفترة بين عامي 1991- 1999.
يضيء الكتاب الذي جاء في اثني عشر فصلاً محطات من حياة الباشا القسوس لعل أبرزها علاقته بالمغفور له الملك الحسين بن طلال منذ عام 1967 وحتى وفاته، حيث وصفها الباشا بمرحلة حرص الملك الراحل على دعم وتطوير الخدمات الطبية الملكية كي تضاهي مثيلاتها في العالم.
وحول أسباب كتابته لسيرته الذاتية، يقول الباشا القسوس بتواضع «حينما يكتب الإنسان سيرته بنفسه، فإنه يعفي الكثيرين ممن يكتبون عنه من ان يشرقون ويغربون، ولربما يبالغون في كتاباتهم او يظلمون صاحبهم ولا يوفونه حقه». الباشا لم يكتب سيرته سعياً لإيصال معلومات إلى الآخرين بل حرصاً منه على تأريخ لمعلومات ليتخذ منها الاخرين العبرة والدروس، كتبها بلغة سلسة وسهلة حتى لا يشعر معها القارئ بالملل وليتم قراءة الكتاب بجميع تفصيلاته وهذا صدقا ما وجدته، فكانت (حكايتي- حياتي) أوراق اشتملت على مراحل ذكريات الطفولة وأيام الصبا والشباب، قدمها للقارئ ليقف على جملة حقائق في مقدمتها الإرادة القوية والعزيمة الصلبة التي يجب ان يتحلى بها الإنسان اذا ما أراد ان يرتقي سلم النجاح، وكيف عليه أن يطوع الظروف والتحديات التي تواجهه والتي قد تحول دون مواصلته لمشواره العلمي، مرحلة تحويل التحديات إلى فرص.
لقد صدق الباشا القول حين قال: «ما كنت إلا أردنياً وسأبقى وطنياً وعربياً وقومياً وإنساناً، أعطيت عملي حقه ولم أبخل به على أحد، وأحببت كل من عض على الأردن بالنواجذ كي يبقى وطنا حرا أبيا شامخا، راياته ترفرف في سماء الأمة».
الباشا يوسف فرد من جيل كتب له أن يكون شاهدا على مراحل وأحداث جسيمة مرت بها الأمة العربية والمملكة الأردنية الهاشمية منذ تسلم المغفور له الملك الحسين بن طلال راية الحكم عام 1953، شهودا على شجاعة الحسين في صد العاديات وتجاوز الصعاب بصبره واخلاصه لشعبه وأمته».
ويواصل الباشا القسوس حديثه عن تطور الأردن وصولا الى عهد الملك عبدالله الثاني قائلا: «يجيء عهد عبدالله الثاني لتستمر المسيرة ويتواصل العطاء، ونعلنها على الملأ أن الاردن انتقلت لتلج زمنا جديدا اسمه زمن عبدالله، الحافظ للعهد والأمين على مستقبل الأمة وقضيتها المركزية فلسطين والقدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية».
طبيب القلوب الذي بحكم تخصصه كشف عن قلوب الاغنياء والفقراء والغلابى والطفارى، تلك القلوب التي أنهكتها الحياة، يقدم لنا وثيقة مهمة في سيرة ومسيرة طبيب وجندي خدم وطنه على امتداد اكثر من نصف قرن وما زال يداوي القلوب العليلة وشراينها المسدودة.
الباشا منذ بواكير صباه أراد أن يكون لحياته معنى فقساوة حياة الكرك صقلت شخصيته مبكراً اذ يقول «علمتني الحياة أن عمر الانسان بما يتركه من ذكرى وفعل يستمر من بعده، وأن سنواته ليست ذات قيمة إلا إذا أنجز فيها ما يكون عونا للأخرين، وهكذا فعلت ما استطعت إلى ذلك سبيلاً».
في السنوات الأخيرة كنت محظوظا أن رافقت الباشا في إحدى المهام الرسمية خارج البلاد عندما كان رئيسا للجنة الصحية في مجلس الاعيان ومحظوظا مرة اخرى أن أكون بمعيته في إحدى اللجان الوزارية لتطوير القطاع الصحي في المملكة، وتشاء الاقدار هذا العام ودون سابق إنذار أن ينهك قلبي ويستدعى طبيب القلوب الباشا يوسف على عجل ليخبرني و بعد القسطرة بانسداد شراييني ولا بد من فتح قلبي، حيث كان يقول لي مهدئاً «لا تقلق سارتب كل شيء»، أدركت أن الباشا في مسيرته بين الجندية والطب إحتل مكانة خاصة في قلوب من عرفوه لما يتمتع به من صفات جعلت منه الأقرب إلى الناس، خاصة البسطاء منهم، بعفويته وبساطته وصدقه وتواضعه وحديثه الشيق الساحر، ذكاؤة الحاد وسرعة بديهيته صفات جعلت منه أيقونة طبية وقامة وطنية وإجتماعية وإنسانية فريدة.
واخيراً، أكرر ما قاله الآخرون عن الباشا يوسف القسوس كنت وستبقى الأردني الكركي الذي صعد الجبل حاملا الوطن على كتفيه وأراك اليوم مصراً على الصعود والوطن في قلبك.
باشا، دمت ودام قلبك بصحه وعافية.