كتاب

الأردن في «جدة» خطف الأضواء بحياديته الجديدة

فاجأ الأردن المؤتمرين، في «جدة» كما صعق خطاب الملك (الذي لم تبلغ مدته ٥ دقائق بالتمام والكمال) الكثرة الكاثرة ممن وضعوا الأردن ومواقفه ما قبل زيارة بايدن وقمة جدة للأمن والتنمية عنواناً رئيساً لتوقعاتهم وتحليلاتهم وتوجساتهم، وكأنه كان موجهًا الدعوة للرئيس الأميركي لزيارة المنطقة وهو الذي هندس لقمم جدة الثلاث.

هذه الحالة على ما فيها قرباً من واقع الأردن الجيوسياسي ودينامكية سياسته وتوزع مسؤوليه، على مختلف مستويات المسؤولية، على عواصم القرار الإقليمي والدولي والعالمي، وحرصه على إدامة التواصل باحدث وسائل الاتصال، في زمن القطيعة التي فرضتها الجائحة كان التقاعس امراً أردنياً مرفوضاً بقدر ما كان النشاط الدبلوماسي السياسي وفي كل الاتجاهات أمرا مطلوباً وواجباً.

بالتأكيد الخطفة الاردنية لاضواء «جدة»، على ما فيها من اختصار وسرعة وتكثيف وإيجاز وجديد سياسي وحيادية مستجدة، ما أربك الدوائر السياسية والدبلوماسية والإعلامية العالمية، حين طرحت الدبلوماسية الأردنية، هناك حيادية أردنية جديدة أعادت الحياة لمفهوم الحيادية، كفهم سياسي وإطار إقليمي أشغل العالم من حوله سابقاً ملتزماً بفهمه لمجريات الصراع في المنطقة وأولها وآخرها قضيتنا المركزية.

وبكل كلفها المادية والبشرية، فكان تشدده الدائم، وتمسكه بثابت أردني معهود معروف، كان الموضوع الفلسطيني لبه واكسير الاحوال في العالم المتحرك المتقلب، في مواقفه والمنحاز في مجمله لدولة الكيان.. ناكرة الحق في الحياة والحق في التحرير وتنفيذ المشروع الوطني الفلسطيني باقامة دولته المستقلة.

وكان استقرار المنطقة وأمنها وازدهارها، وضرورة قيام دولة فلسطينية مستقلة، رغبة وعمل دؤوب سعينا وناضلنا وقدمنا، جميعنا أردنيين وفلسطينين وعربا، التضحيات الجسام وقوافل الشهداء وتشرد وخراب وفوضى وأموال، لم تصرف في ميادين الحياة السلمية، بل لتغطية كلف الصراع العسكري المدمر والمقيد للحريات في دول الطوق وشل التمكين الديموقراطي والتنموي طيلة عهود واجيال.

لا أعتقد أن الأمر الاردني الجديد، في قمة جدة الجديدة للأمن والتنمية جاء عفو الخاطر، أو اجترار لمواقف سابقة أردنية، الا ان مواقف الدول المشاركة في القمة الثالثة: مجلس التعاون الخليجي وموقف الاردن الواضح الحيادي، الذي نبع من شغفه بالاستقرار والامن والازدهار، لا يتحقق الا بحل الدولتين ما فرض من وجوده الدراماتيكي، على مواقف العراق ومصر تاركين خلف ظهرانيهم، ما تردد عن حلف جديد، موجه نحو إيران.

نجاح اردني في جدة وحيادية اردنية سياسية، تسجل في سجل «غينيس» المنطقة بلا منازع وبالتالي تتربع عمان، ودبلوماسيتها على عرش الواقعية السياسية، وعرش الحوار والجدل والتفاوض والبحث، عن السلام والازدهار والحريات، وبالطبع نقيضاً للحرب والدمار والتراجع الاخلاقي بمفهومه الأشمل.

بالطبع لم يسمح الأردن لنفسه، أن يتدخل في شؤون الجوار، ولا أن يغير من جغرافية الجوار وسياسات الجوار، كما شاع بما يدعى بالمناطق الأمنية، في الجوار سداً لفراغ أمني قد يحصل بين لحظة واخرى، فنعود بالتالي إلى مربعات الفوضى والاختلالات الأمنية التي لا يسلم من أذاها أحد.

تنطلق عمان من إيمان مطلق، بأن لا مجال لتكرار التاريخ بكل عثراته وآلامه، بل عينها وقلبها وعقلها دائماً نحو المستقبل، وهي وطنياً ومحلياً تعيش سنوات الـ ١٠٠ الجديدة من مستقبلها إن كان على الصعيد الداخلي، أو صعيد السياسات الخارجية وعلاقاتها مع دول العالم ودول الإقليم.

وان رصدنا كل ما جرى من انطلاق رحلة بايدين، في الاراضي الفلسطينية المحتلة وسلسلة اللقاءات مع الاطراف المتنازعة، في تل ابيب والقدس ورام الله يؤكد خطوات النجاح الاردني تمثلت بالاعتراف الاميركي نصاً وروحاً بالولاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وهو النجاح المرصود هدفاً ومضموناً وسلوكاً، الأمر الذي تفهمه كل عواصم المنطقة وعواصم القرار الدولي أن النجاح هنا، هو الذي صنع النجاح والحيادية الأردنية في «جدة» بقممها الثلاث.