لا يحضر الغربُ، عندَ معظم العرب المعاصرين، كـ«آخر»، إلا بأوجُههِ السلبية؟
وهُم، أي العرب، لا يملكون، إزاء هذه الصورة للغرب، سوى الردّ، بالتأكيد على ذواتهم الجمعية المخترقة والمستباحة من ذلك الآخر. فالعرب المعاصرون لم يصطدموا بالآخر الغربي إلا بعد حملة نابليون «العلمية!»، ومنذ ذلك الحين تحوّلوا من سباتهم العثماني الطويل، وفُتِنوا بهذا الآخر، ثم افترقوا عنه، وقارعوه وقاتلوه، ويختلفون اليوم فيه وعليه.
هل هناك حالة لا وجود فيها لتصوّر الآخر؟ فقط عند المجانين، حيث تتعدّد وسائلهم لاستئصال الآخر، بهدف واحد وغاية واحدة هي نفي وجوده. وأبرز هؤلاء المجانين هو «دون كيشوت»، ابن الثقافة الأوروبيّة، الفاقد لهويته وسط عالمٍ يُنكره، مُتلهّياً بقِيَمِ الفروسية الغاربة. ومن ملامحه، أنه يتمنّع عن بلوغ أيّة سلطة، رغم إدراكه اليَقِظ بمنجزاتها، وذلك لأنه يقرأ العالم بعيون كتب الفروسية وقِيَمها الذاهبة. فهو بطلٌ، لا يريد من مآثره سوى تقديم البرهان، حيث لا قيمة للانتصار، إلا بمقدار تحويله للواقعِ إلى قِيَمٍ وعِبَر.
في ثقافتنا العربية، القبيلة أو العشيرة، وهي أكثر التشكيلات الاجتماعية الجماعية طبيعية وبساطة وأوّلية، يبدو فيها الآخر ثقافياً جزءاً من مكوناتها البنيوية، على الرغم من سرعة وتيرة تحرّكه وتبدّله. فثقافة القبيلة تقول: «أنا وأخي ضدّ ابن عمّي، وأنا وأخي وابن عمّي ضدّ الغريب!». هذا الغريب، يتحدّد أيضاً عند ابن خلدون متحرّكاً، بحسب الهدف المتوخّى من تحديده. فهو عنده حلقات دائمة التوسّع، تحتاج إليها العصبية لبُلوغ «المُلك»؛ وهي «الرياسة»، ثم «الحماية والموافقة والمطالَبة»، ثم «المُلك»، وذروتُها هي «عصبية تكوُّنٍ أقوى من جميعها تغلّباً، وتستتبعُها، وتلتحم فيها جميع العصبيات، وتصير كأنها عصبية واحدة كبرى». ومن دون ذلك، تُخفق تلك العصبية في نَيل «المُلك»، وهي أدنى مراتب الوظائف التي يُمليها الآخر.
إن ما سبق يقيم صلةً غامضة بين الآخر وبين أيّ مشروع للسلطة، سواء كان ذلك مُلكاً، بحسب ابن خلدون، أو بالحد الأدنى بهدف «كسب حصة ما من الحياة». ومن أجل هذا، وبسببه ربّما، لا بدّ من آخرٍ يحمل السمات المحرّكة والدافعة للصراع. والصلة الغامضة في هذا الصراع هي ما تجعل الغالب هو القادر والمبادر دوما إلى طرح مشكلة «الآخر» وهويته، جاعلاً منها أزمةً عند المغلوب، تدوم بدوام أزمة المغلوب وغلَبةِ الغالب.
في ثقافة الغالب، ليس هناك ندّية بين الغالب والمغلوب، وليس هناك نظام للخصومة في شريعته، سوى ما يحدّده الغالب من قوانين ووسائل، تضمن تفوقه وفناء الآخر وتبدّده. أمّا ما يجري من محاولات حول «حوار الحضارات»، أو حوار أتباع الأديان، أو جدل «المقاومة والإرهاب»، فليس سوى أسلوب الغالب ووسيلته، لفرض نظام غلَبته وشَرعَنتها. وهو ما يحيل محاولات المغلوب في تنظيم هذه الخصومة وشرعَنتها إلى «مجرد تَبديدٍ للوقت»، ولِما تبقّى من تماسكٍ لهويات الشعوب المغلوبة وثقافتها.
العربُ الذين يحضر فيهم الغرب بهذا الوجه السلبي. والذين يحرصون على تأكيد ذاتهم الجمعية، على الرغم من تخّلف الكثير من ملامحها. هؤلاء، لا يستطيعون التعايش والتحوّل إلى نموذج آخر، كأحفاد الهنود الحمر الأميركيين، الذين ذاق أجدادهم مجازر الآخر البرتغالي والإسباني، عند اكتشاف كولومبس للقارة الأميركية. ولا يستطيعون الاكتفاء برفع شعار «لا تكتشوفنا..»، كما رفعه ما تبقى من الهنود الحمر، في العقد الأخير من القرن العشرين، احتجاجا على الاحتفال بذكرى اكتشاف كولومبس لهم. وذلك ببساطة لأن العرب الآن لا يملكون ترفَ ترديد هذا الشعار. فقد سلَبهم الغربُ الغالبُ هذا الترف، منذ أواخر القرن التاسع عشر، حين اعتبرَ «بعضُ مفكّري ذلك الغرب» شعوبَ الشرق، بمَن فيهم الهند، «مجردَ مرشّحين لدخول المدنيّة الأوروبيّة»، استناداً إلى الفجوة المعرفية الهائلة بين الغرب وبين تلك الشعوب.