لا شيءَ أسوأ من «الوصول إلى المعرفة متأخراً»!
فجأة تَتوتّر الهويات، وترتسم على الوجوه ملامحُ الأقلياتِ والطوائفِ والأعراقِ والجِهات. حينها، تخرج الرموزُ عن وَقارِها وجَلالِها، وتتحرّك بين الجموع في الشوارع، وترتسم من جديد حدودُ الأحياء المغلقة وحاراتها للهويات المجروحة، دينية كانت أو عرقية أو ثقافية أو اجتماعية.
في القرن العشرين، الذي لم نُنجز فيه وظائفنا الحضارية جيداً، تزاحَمت، بأشكال مرعبة محاولاتُ الهداية القَسرية للناس، من فئات تعتبر نفسها فِرقاً ناجية، أو جَماعاتٍ تحتكر امتلاكها للحقيقة؛ ومع كلّ محاولة، كانت هويّات الأفراد تتصاعد في توتّرها وعُنفها، مُنذرةً المجتمعات بغيومٍ جِهامٍ، لا ماءَ فيها؛ غيومٌ تحملُ شَرَراً تَقدَحهُ شُهبُ نَيازكَ خاطفة؛ غير أنّ أحداً لم يكترث على نحوٍ جدّي.
لا يتوقّف توتّر الهويّات عند محاولات الهداية القَسرية، بل يتعدّاها إلى كلّ أشكال التغيير التي يتوجّس منها الناس، ولا يتحسّب رُوّادها من حالات عدم الثقة، وانعدام اليقين بالراهن والمستقبل، عند عامّة الناس؛ كثيرة هي المحطّات، في حياتنا العربية، التي كان ينبغي لها أن تُخرج العقول والثقافات والبصائر إلى معالجة الألغام الموقوتة في حياتنا الثقافية والسياسية والاجتماعية، تحصينا للناس والمدن والحواضر من مخاطر كان واضحاً أنها قادمة في مواقيتها.
في مصر ثمانينيات القرن العشرين، صَدرت رواية قصيرة جدّا «60 صفحة»، غاية في الأهميّة، لم يتنبّه لَها كثيرون. فحين تعجز السياسة عن رؤية القادم بعين ثقافتها، فإنّ العَمى والقبرُ هُما المصير المحتوم لِبَصيرتها ورؤيتها. ذلك أنّ رواية «المَهدي وطرف من خَبر الآخرة» رأت ما حدث البارحة، وما يحدث اليوم، وما سيحدث غدا في عَيشِنا الاجتماعي والثقافي، بعد أن تمّ إطلاق العنان لجماعات الدين السياسي، خلال السبعينيات والثمانينيات، لحراثةِ كامل النسيج الاجتماعي في القارّة العربية المَنكوبة. وبعد نحو عقدين من الزمان، ولأنّنا ل? نُبصر ولم نتبصّر، جاءت مسرحية الإسكندرية، بكلّ خِفّتها وتهافتها وسَذاجتها: «كنتُ أعمى والآن أبصرُ»، لتُخرجَ الجموعَ غاضبة إلى ميادين المدينة. إذ كانت رواية «المهدي...» بمثابة نبوءة بتوتّر هويّة جموع الاسكندرية بعد المسرحية العتيدة..!
ياسين الحافظ، مفكر عربي سوري، رَحلَ في أواخر السبعينيّات. كان الرجل ناقداً حقيقيّاً، وصانعاً ومُنتجاً للمفاهيم الجديدة. وهو نقدٌ شكّل، في حينه، صدمةً، للتيار السياسي العربي الجارف، بما في ذلك الناصرية، والمعتقدات العربية القومية المصبوغة بالاشتراكية «المُسَفْيَتَة؛ نسبة إلى الفكر الماركسي السوفيتي». نقدٌ تلا مرحلة الهزيمة الكبرى «نكسةُ العام 1967»، عبّر عنه مجموعة من المثقفين العرب، برزَ منهم بالإضافة للحافظ، صادق جلال العظم، عبد الله العروي، جورج طرابيشي، إلياس مرقص، سمير أمين، وغيرهم. جوهرُ فكر الحافظ، و?شروعه التحديثيّ، الذي لم يكتمل، يقوم على التحديث، في ميادين الاقتصاد والاجتماع والمعرفة، ولم يتردّد في اعتبار الغرب النموذج المَرجو في التحديث، ما أثار عليه عشَّ الدبابير آنذاك. سيما أنّه اعتبر أنّ الشرط الضروري واللازم لهذا التحديث هو الديمقراطية، وبها تميّز مشروعه عن مشروع الحركة الناصرية. فدعا إلى الاعتراف بالعالم الزَمني، اعترافاً مبدئياً ونهائياً، ما يعني عِتْقَ الإنسان كإنسان، والمواطن كمواطن، وتجاوز فكرة الأقلية والأكثرية، وتجاوز الطوائف إلى المجتمع والفرد والدولة. كما اعتبر أنّ الهوية لم تكن، في يو? من الأيام، خصوصية قومية أو محلية أو دينية أو حزبية أو طبقية، كما أنّها ليست خصوصية جماعة تشكّل هي أفرادَها.
فالهوية، بحسب الحافظ، هي رابطة الـ «هو مع الكون»، مع الإنسان والتاريخ، كتقدّم ومشكلات تحتاج إلى حلّ. فهي رابطة محدّدة دائماً، ومفتوحة بشكل لا نهائي، للفرد والشعب والأمّة، وللجماعة الحيّة، وللبشرية بالكامل. وهي بهذا المعنى، تَوجّهٌ وتَطلّعٌ ونزوعٌ إلى مستقبلٍ ممكنٍ وواجب، أي أنّها تتكوّن باستمرار، وتتحدّث باستمرار، كعلاقة بين الذات، فرداً أو جماعة، وبين الآخر. وللأسف، تمّ تجريفُ الرجل ومشروعه وأفكارَه مع عقد الثمانينات، ودُفنت أفكاره الحداثية، عن الهويّات الوطنيّة وتحديثها، ليَغمرَ الثقافة العربية بعدها مشر?ع «الهويّات الفرنكوفونية القاتلة»، محمولةً على استشراق الفرنسيّ اللبناني أمين معلوف..!
وما نزال نتعثّر بهويّاتنا، المتوتّرة والمجروحة، كلّما هَبّت أيُّ ريحٍ؛ مُتدثّرين بأوهام رواسبنا الثقافية العتيدة، ومُعتَدّين بدروعٍ أوْهَنَها الزمانُ، على أنّها كافية لحماية الناس والمُدن والحواضر..!