الولايات المتحدة وحلفاؤها يمارسون غضباً سياسياً غير مسبوق، كرد فعل على ما أسمته روسيا «عملية عسكرية خاصة» في أوكرانيا. وفي المقابل، فإن ما قامت به روسيا، على فداحته وتناقضه مع القانون الدولي، هو عمل مألوف، سبق ومارسته كثير من الدول القوية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وحليفاتها الأوروبيات، طوال فترة الحرب الباردة وما بعدها، ومن دون أن يرافق ذلك هذه الحملة الإعلامية الرافضة لاجتياح دولة أخرى، فما معنى ذلك..؟ ليس هذا هو المهم؛ فما قامت وتقوم به الولايات المتحدة وحلفاؤها في حلف الناتو، من حصار وعقوبات اقتصادية ضد روسيا، يُنذر بتغييرات كبرى على مستوى العالم أجمع. ولعلّ بعض التصريحات الأوروبية المتسرعة، التي صدرت في بداية الحرب، تَشي بملامح ما هو قادم لعالَم ما بعد الحرب، كتصريح رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، حين قال: «يجب طرد روسيا من مجلس الأمن»..! وكأنّ مجلس الأمن هو إحدى الدوائر التابعة لحلف الناتو، وليس مؤسسة الضبط الأهمّ في منظومة الأمم المتحدة، لمنع العالَم من الانزلاق إلى حرب عالمية ثالثة.
نعم.. الأمم المتحدة، على قلّة هَيبتها وفعاليتها التي وصلت إليها في عالَم اليوم، هيَ التي كانت المحاولة الثانية، من دول العالَم المنتصرة، لتجنيب العالم مخاطر الوقوع في حرب مدمّرة أخرى، وخصوصا بعد اكتشاف السلاح النووي واستخدامه في تلك الحرب. ولم يكن إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بوضع القوة النووية الروسية في حالة تأهّب، مع أيام الحرب الأولى، بأقل تهوّراً ورعونة من تصريح خصمه البريطاني اللدود جونسون.
لنتذكّر، إنّ الخيارات التي يتحدث عنها محلّلو الفضائيات، بعالَم القطب الواحد أو متعدد الأقطاب، كنتيجة للحرب، ليست قَدراً، كما أنّها وليست الخيارات الوحيدة الممكنة لهذه الحرب. بما في ذلك التصريحات الرَعناء، التي تقف عند القول: «يجب عدم السماح لبوتين بالانتصار في هذه الحرب».
في التاريخ القريب، التي نسمّي فيها ما حدث في العام 1914 بالحرب العالمية الأولى، وهي ليست كذلك تماما؛ فدائما، وعلى مدى التاريخ المعروف، كانت هناك حروب على مستوى العالَم، على الأقل منذ الحروب الإغريقية المدوّنة، وما سبقها من حروب، دوّنتها أساطير الشعوب الأقدم، وعلِقَت بقاياها في قصص الأديان السماوية. في حربنا الكونية القريبة الأولى، تنبّه البعض إلى ضرورة التحكم بآلية استمرار كارثة الحرب، فتوافقوا على تشكيل «عُصبة الأمم»، وشكّلوها في العام 1920، على الرغم مما في تعبير «العُصبة» من خفّة فكرية واستراتيجية، إذ ل? تصمد تلك «العُصبة» سوى 19 عاما، حين اندلعت الحرب الكونية الثانية في العام 1939، لتليها محاولة العالم الثانية بتشكيل «الأمم المتحدة»، بديلا لعصبة الأمم.
ما أريد قوله هنا، إنّ الإمعان في فكرة العقوبات والمقاطعة الاقتصادية، كإحدى أدوات الحرب، قد يخلق عالَما جديداً غير الذي عرفناه طوال المئة عام الماضية؛ عالَمٌ بعوالِمَ مختلفة ومتخاصمة؛ أي أمم غير متحدة، أو أمم لا تجمعها عصبة واحدة؛ كأن تتشكّل عوالِم متعدّدة، وبأممٍ تتاجرُ مع بعضها، وتجمعها أطرٌ وعلاقاتٌ ومصالح؛ بمعنى أمم وشعوب ونطاقات جغرافية متعدّدة في عالَمٍ واحد، مُطيحة بكل ما تم التوافق عليه فيما بعد الحربين الكونية الثانية والباردة، وعلى رأسها العولَمة والتجارة الدولية، وبالأساس الذي قام عليه مفهوم بناء?عالم بأمم متحدة، أو متوافقة بالحدّ الأدنى على منع الحرب المدمرة؛ فماذا عن عالمٍ بأمم غير متحدة، لمنع تلك الكارثة. أليس هذا ما يعنيه الإمعان والاندفاع المحموم نحو الانفصال الاقتصادي للقوى العظمى، في الموارد والمصالح والطاقة والعُملات وما يتصل بها من توابع، كهَدفٍ لم يقصد الوصول إليه أصحاب فكرة العقوبات، وكنتيجة محتملة أخرى غير هزيمة الخصم ومنعه من الانتصار..؟ [email protected]