في منتصف صَيف آب من العام 1971، أعلن الرئيس الأميركيّ ريتشارد نيكسون عن سياسة اقتصادية جديدة، أطلِق عليها اسم برنامج خلق «رخاء جديد بدون حرب». وهي مبادرة عُرفت شَعبياً باسم «صدمة نيكسون»، وكانت، عملياً، هي بداية النهاية لنظام «بريتون وودز» لأسعار الصرف الثابتة للعُملات، الذي تم التوافق عليه في نهاية الحرب العالمية الثانية.
وفي نظام «بريتون وودز»، جرى تحديد القيم الخارجية للعملات الأجنبية، فيما يتعلق بالدولار الأميركي، بما يعادله من الذهب، بحيث يكون كل 35 دولاراً مساوياً لأونصة من الذهب. وفي نهاية ستينيّات القرن العشرين، أي بعد نحو عقدين من إقرار ذلك النظام، كان الفائض من الدولار الأميركي، الناتج عن المساعدات الخارجية، والإنفاق العسكري، والاستثمار الأجنبي، يهدّد استقرار ذلك النظام، ذلك أنّ الولايات المتحدة لم يكن لديها ما يكفي من الذهب، لتغطية حجم الدولارات المتداولة في جميع أنحاء العالم، بما يعادل 35 دولاراً للأونصة، أي إنّ الدولار أصبح بلا تغطية حقيقية من الذهب.
لم تُجدِ محاولات الرئيسين الأميركيين، جون إف. كينيدي وليندون جونسون، في دعم الدولار والحفاظ على اتفاقية «بريتون وودز»، سواء بمثبّطات الاستثمار الأجنبي، أو قيود الإقراض الأجنبي، أو جهود وقف التدفق الرسمي للدولارات، أو الإصلاح النقدي الدولي، ولا التعاون مع الدول الأخرى. فالمبالغة الأميركية، في تقدير سعر الدولار، ظلّت في تصاعد مستمرّ.
بعد اجتماع عقده نيكسون مع كبار مستشاريه الاقتصاديين، في «منتجع كامب ديفيد» الرئاسي، أعلن ما يلي؛ إنّ الولايات المتحدة الأميركية لن تكون قادرة على تبديل كل 35 دولاراً بأونصة ذهب..!. واختار نيكسون الإعلان عن سياسته الاقتصادية الجديدة في خطاب إلى الأمة بعنوان «تحدّي السلام»، حيث حدّد مهمة ثلاثية الأبعاد، هي؛ «يجب علينا خلق المزيد والأفضل من الوظائف؛ يجب أن نوقف ارتفاع تكلفة المعيشة؛ ويجب أن نحمي الدولار من هجمات المضاربين الدوليين». وكان الهدف من هذا الإجراء هو حثّ الشركاء التجاريين الرئيسيين للولايات المتحدة على تعديل قيمة عملاتهم، صعوداً إلى أسفل، للسماح بمزيد من الواردات من الولايات المتحدة.
لقد صدم خطاب نيكسون العالَم، وعلى رأسهم حُلفاءُ أميركا، واعتبره البعض أكبر قرصنة في التاريخ المالي العالمي. ومع ذلك، وبعد شهور من المفاوضات، وافقت مجموعة الدول العشر (G_10) على مجموعة جديدة من أسعار الصرف الثابتة، التي تركز على انخفاض قيمة الدولار في اتفاقية «سميثسونيان» في كانون أوّل/ديسمبر 1971. وهي اتفاقية لم تدم طويلاً، ففي شباط/فبراير 1973، أدت ضغوط سوق المضاربة إلى مزيد من الانخفاض في قيمة الدولار، ثمّ تعرّض الدولار مرة أخرى لضغوط شديدة في الأسواق المالية. فاضطرّت مجموعة العشرة إلى ترتيب يقوم بموجبه ستة أعضاء أوروبيين بربط عملاتهم معاً وتعويمها بشكل مشترك مقابل الدولار الأمريكي، ما يعني فعلياً التخلّي عن نظام سعر الصرف الثابت لـ«بريتون وودز» لصالح النظام الحالي، أي نظام أسعار الصرف العائمة.
ترافق برنامج نيكسون، وأزمة سعر صرف الدولار الأميركي، مع الحظر النفطي في العام 1973، بسبب الحرب العربية الإسرائيلية. فقررت الولايات المتحدة الأميركية إنشاء الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، وإنشاء وكالة الطاقة الدولية، التي اقترحها كيسنجر.
واليوم، وعلى وَقع تداعيات الحرب في أوكرانيا، ها هي الولايات المتحدة وحليفاتها الأوروبيّات في حلف الناتو، تبدأ في تسييل واستخدام مخزون ذلك الاحتياطي الاستراتيجي من النفط والغاز؛ ولعلّ الأهمّ، هو وصول الصراع إلى مرحلة يتقدّم فيها «الروبل الروسي» والـ«يوان الصيني»، كبديلٍ للدولار في أسواق المال مقابل النفط والغاز، على وَقع أقدام العَسكر في أوكرانيا.. ما يعيد إلى الأذهان أزمة حَظر النفط، وفيتنام، و«صَدمة نيكسون والدولار الأميركي والذهب».