بين شوارع متشقّقة وحفرٌ تنتشر في كل مكان، يتذكر المزارع محمد عوضات ابنه الذي خسره إثر سقوطه في إحدى تلك الحفر الكائنة في (غور الحديثة) التابعة للواء الأغوار الجنوبية.
ويشير العوضات، الى أن حذاء ابنه المتوفى لا يزال داخل الحفرة ذات العمق 12 مترا، والتي سقط فيها أثناء اللعب في المنطقة أيلول 2017، وتنهّد قائلا «رحم الله ابني أشرف الذي لن أنساه قط، وأشعر بحرقة في قلبي على فراقه».
لم تستطع عائلة العوضات العيش في المنطقة بعد سقوط أشرف في إحدى تلك الحفر الانهدامية وموته، خوفا من خسارة طفل آخر، ومنذ أن هاجرت العائلة لم تعُد الى المنطقة بتاتا، رغم أنهم يعملون في مجال الزراعة في المنطقة ذاتها.
ليست تلك الحفرة التي ابتلعت حياة أشرف، الوحيدة في المنطقة، بل هناك ما لا يقل عن 6000 حفرة وانهيار خسفي على شواطئ البحر الميت، وفق أستاذ الجيوفيزياء وعلم الزلازل نجيب أبو كركي الذي أوضح أن هذه الحفر الناتجة عن الجفاف وتآكل التربة تسمّى بالانهدامية أو الخسفية والتي أثرت سلباً أيضا على انحسار البحر الميت.
وتَبيّن لـ الرأي أثناء تغطية آثار الجفاف على المنطقة، كيف ألحقت الحفر الانهدامية الاضرار بالإنسان والحيوان والنبات والبناء، ناهيك بآثارها السلبية على المياه الجوفية، ومن يزور المنطقة يدرك أنها أصبحت مقفرة خالية من الحياة.
وتجولت الرأي في المنطقة، ولفت انتباه معدة القصة بقايا بناء موجودة، وعندما استفسرت من سكان المنطقة تبين أنها تعود إلى مصنع للأملاح والطين تأسس عام 2008 وتأثر مع مرور الوقت بالتدهور البيئي الحاصل، الى أن تم نقله إلى مكان آخر.
ويؤكد حسن خنازرة أحد سكان المنطقة، على أن الأحوال لم تكن بهذا السوء الذي نراه الآن قبل 15 عاما تقريبا، إنما ساءت مع مرور الوقت، ويروي لـ الرأي، قائلاً «لقد هجر أصحاب بعض مزارع (غور الحديثة) جراء ازدياد الحفر الانهدامية التي أثرت على الزراعة بشكل واضح، الأمر الذي يجعل الأرض غير قابلة للزراعة والعيش، بالرغم من أنهم مدينون للإقراض الزراعي».
ويطالب السكان المحليون المتأثرون بطم الحفر أو توفير أراض زراعية اخرى يستطيعون كسب رزقهم من خلالها.
ما السبب؟
وتعود أسباب الحفر الخسفية بحسب الباحثين الى عوامل مناخية وغير مناخية متمثلة بالنشاط البشري والاستخدام المفرط للموارد في منطقة البحر الميت.
ويشير نقيب الجيولوجيين الأردنيين صخر النسور في هذا السياق الى ان الحفر الخسفية ناتجة عن انحسار البحر الميت، حيث تبقى قشرة من اليابسة من الأملاح يتم إذابتها، وبالتالي تتشكّل فجأة حفر خسفية وانهدامية باتت ظاهرة ملحة للدراسة والانتباه.
ويبين النسور أن من أسباب انحسار مياه البحر الميت يعود الى عوامل مناخية متمثلة بالتبخر العالي جراء ارتفاع درجات الحرارة، ونسبة الملوحة المرتفعة، واخرى غير مناخية مثل إقامة السدود على ضفتي البحر الميت والاستثمارات والتعدين من جانب آخر.
ويشير الجيولوجي في حديثه إلى أن الاعتداء على مصبات وروافد تزوّد البحر الميت بالمياه، سبب آخر من أسباب الواقع الحالي، وأهمها نهر الأردن حيث يشكل رافدا أساسيا للبحر الميت، وكان النهر يغذي البحر الميت في سبعينيات القرن الماضي بحوالي 2 مليار متر مكعب من المياه سنويا، بينما وصل اليوم إلى أقل من 200 مليون متر مكعب، وفقد البحر ثلث الكمية من مياهه منذ عام 1960.
«المياه الجوفية»
ومن جانب اخر، تشير معلومات الى ان الحفر الانهدامية الناتجة عن انحسار المياه في البحر الميت تؤثر حتى على المياه الجوفية في الأردن.
ويقول أستاذ علم جيولوجيا المياه والبيئة في جامعة الحسين بن طلال محمد الفرجات، «كلما انخفض مستوى سطح البحر الميت، أدى إلى تدفق المزيد من المياه الجوفية إليه عبر الطبقات الممتدة شرقا تحت المملكة المتاخمة لجسم حفرة الانهدام، ما يؤدي إلى المزيد من استنزاف الخزين الجوفي».
ويشير الفرجات إلى أن الانخفاض المستمر بالبحر الميت يؤثر على التنوع الحيوي في المنطقة سلبا، ويؤدي إلى تغيرات بيئية تمس دورات الطبيعة.
وفي السياق ذاته، تبين دراسة عن مصادر المياه الجوفية في الأردن، انجزها باحثون لصالح (المعهد الفيدرالي الألماني لعلوم الأرض والمصادر الطبيعية) عام 2019، أن معدل تصريف الينابيع عام 1970 حتى 2019 تراجع إلى أقل من 50 بالمئة.
أما فيما يتعلق بأحواض المياه الجوفية، فقد بيّنت الدراسة ذاتها انخفاض سطح المياه الجوفية من 50-100 متر في العقدين الماضيين، حيث ينخفض سطح المياه الجوفية بمعدل 8 أمتار في السنة.
ويؤكد الفرجات أن التغيرات المناخية تزيد من وتيرة عمليات التبخر من سطح البحر الميت، كما وتساهم بخفض كميات المياه السطحية الوافدة إليه عبر الأودية الجانبية، ما يسرّع عملية انخفاض سطحه.
ووفق أبو كركي، فإنه في عام ٢٠٠٩ حصل انهيار على شواطئ محطة استراحة البحر الميت السياحية والتي يملكها الضمان الاجتماعي، حيث أقيم فندق عام ٢٠٠٨ في منطقة الاستراحة، وبدأت التشققات على شواطئه في ٢٠٠٩، ثم انهار هذا الجزء من الشاطئ في ٢٠١٢.
ويلفت إلى أن ظواهر التشققات الموجودة على شواطئ البحر الميت عموما، قد طالت بعض شواطئ الفنادق على امتداد البحر.
من جانبه، يقدّر نائب رئيس اتحاد مزارعي محافظة الكرك المهندس سعد الحجران، عدد الحفر في منطقة الغور الحديثة بـ120 حفرة بمساحة تقدّر بـ 70 دونما، بالإضافة إلى مساحة الأراضي الزراعية التي لا تستغل بسبب الحفر ما يقارب الـ 60 دونما، أي بمساحة اجمالية 130 دونما من 1800 دونم (60 وحدة زراعية) وهي مساحة الأراضي الزراعية في المنطقة، كما أنه بحسب معلومات منشورة فإن عدد الفنادق الموجودة في منطقة البحر الميت يصل الى 10، تؤمن 3500 فرصة عمل على الأقل، وبكلفة إجمالية للاستثمار نحو 410 مليون دينار.
ما الحل؟
ويرى أبو كركي أن علينا أن نتعايش مع هذه الظاهرة بالاحتراز؛ لتخفيف المخاطر ونتائج التشوهات المحتملة، وأن نحافظ على الاستثمارات الموجودة في تلك المنطقة، وذلك يتطلب دراسة وتصنيف مناطق البحر الميت من خلال دراسة التشوهات الموجودة والجارية على شواطئه.
ويبين أن ذلك سيتيح تصنيف مناطق الشاطئ إلى ثلاثة: مناطق يمكن التعامل معها والاستثمار بها بشكل كامل، وإذا ثبت عدم حصول تشوّهات بها خلال العقود الثلاثة الماضية فهذا يثبت صلابتها، وهذا أصبح ممكنا التحقق منه بتقنيات التداخل الراداري الفضائية، وهي تقنيات حديثة بدأ استخدامها ويتوفر أرشيف مصوراتها منذ ١٩٩٢، ويمكن متابعتها منذ ذلك العام وما بعده، وإذا تأكدنا أنه لم يحصل بها تشوّهات باستخدام تقنية الرادار الفضائية يمكن أن تستغل وتستثمر بها دون احتراز مفرط خاص.
ويكمل: إن تصنيف المناطق الأخرى قليلة التشوهات، فيجب الدراسة الهندسية المناسبة لها لنستطيع استغلالها بالشكل المناسب، وأما فيما يتعلق بالمناطق التي فيها كثير من التشوهات السريعة الحادة، أو متوقع أن يحصل فيها نتيجة تاريخها السابق تشوهات أكبر، فيجب تجنبها.
من جانبه، يشدّد النسور أنه لا بد من وقف الاعتداء على المصدر المائي الرئيسي المزود لمياه البحر الميت وهو نهر الأردن.
ويُذكر أنه كان من المفروض تنفيذ مشروع ناقل البحرين المشترك بين الأردن والسلطة الفلسطينية وإسرائيل، لحل مشكلة انحسار البحر الميت، وتم توقيع اتفاقية دولية بين الأطراف لبدء تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع خلال عام 2015، بحضور ودعم من الولايات المتحدة والبنك الدولي، إلا أن المشروع لم يرَ النور، وبقي حبيس الأوراق والمخططات التي رسمت.
ويخلص الفرجات،الى أن الحل من الناحية الفنية يكمن بتنفيذ كل ما ورد باتفاقية مشروع ناقل البحرين، أما من الناحية السياسية إذا لم يكن هناك رغبة من الجانب الآخر لإكمال المشروع، فعلى الأردن أن يمضي قدما بهذا الاتجاه بمفرده، وبحث سبل توفير الدعم المالي عبر الدول المانحة؛ لأن البحر الميت ثروة عالمية، وإرث حضاري وثقافي وسياحي وبيئي، يجب الحفاظ عليه، ويعد خسارة كبيرة لكل العالم إذا فقد هذا المعلم.