كتاب

بين دفتي كتاب!

شوق وحنين إلى المكتبة، وإلى خير جليس في الزمان، وإلى القراءة الورقية وإلى لحظات من الاستغراق مع حبر الطباعة والهروب لبين السطور والبداية من جديد لطي الصفحات بعد برهة من اليقظة.

عند الضيق والشدة يكون الملجأ لكتاب الله والغوص والتدبر في المعنى والارتقاء إلى مراتب الخطاب والتفكير في ما ترشده السور والآيات من أحكام، ويكون السمو في كلام الحق، ويكون التواصل المستمر لقراءة الفرقان وعلى مدار العمر ليكون شفيعاً في عتمة الانتظار..

وعند الحاجة إلى تنسم الإبداع الإنساني والثقافة تكون العودة للكتاب ذلك الذي سرقت التكنولوجيا مجده وجلساته وصفحات بين دفتي الكتاب، نقلب الصفحة ونُبحر في تفاصيل الكتاب ما يثلج الصدر ويغذي الوجدان ويدفع بالخيال إلى التصور..

وهذا ما كان لزيارة معرض الكتاب المجاني من خلال المكتبة المركزية في وسط البلد والتي خصصت دائرة المكتبات في امانة عمان (ضمن البرنامج الاحتفالي بيوم المدينة الذي صادف الثاني من آذار) توزيع 32 ألف كتاب يوم الاحد الموافق السادس من آذار في 32 مكتبة على امتداد مناطق العاصمة، وذلك جهد وإنجاز يسجل باستحقاق وتقدير لدائرة المكتبات العامة في أمانة عمان.

لعل غياب الكتاب عن الحضور في مجالسنا فيه الكثير من القسوة والقلق والحسرة؛ هو غذاء للروح والحكمة والهدوء والتفرغ والثبات والمتعة والسرور، هو عادة حميدة وسلوك سوي وتصرف لائق تجاه حياة ذات معنى.

مخجل عدم قراءة كتاب واحد ولو في الشهر مرة، ومحير كيف تسطو الاهتمامات الأخرى على عالم القراءة وعلى الخلود مع النفس ومع تخصيص ما يلزم من أجندة اليوم لتشتمل على ساعة وأكثر من القراءة أياً كان نوعها.

صعب أن تغيب قراءة الكتاب ولسنوات من اهتمام المواطن ومن الشباب على وجه الخصوص وعن عاداتهم اليومية وتعزيزها بالكتابة والبحث إن أمكن وبقية من لحظات تكفي لتصفح الكتاب قبل النوم بدل تدقيق الرسائل الواردة من الموبايل..

ترى متى كانت آخر مرة عدنا فيها للكتاب للقراءة بعمق وبعيداً عن أجواء الصخب وقريباً من المكتبة الخاصة في البيت والركن المخصص للقراءة وبشكل جميل، ومتى كانت آخر مرة ذهبنا لشراء كتاب بحثا عن السعادة.

للورق والكتاب سحر ولغة وسر ورونق ونمط يليق بعشق وحوار خاص بين دفتي الكتاب والقارئ والباحث والقادر على الجلوس في حضرة الكلمات لأطول وقت ممكن والاستغراق في حلم وأمنية ولا أجمل.

بين حدقة العين ودفتي الكتاب ثمة حكاية عن مسيرة الثقافة والحضارة والانفتاح والتعلم والتجربة والحوار، وبين ذلك كله تكمن ضالة القارئ للبحث عن شغف من وراء قلب الصفحات والبداية من أول السطر إلى فقرات جديدة من الحياة عبر الكلمة.

ترى لماذا غاب الكتاب عنا ولماذا هذا البعد عن جليس الزمان وعن أجواء القراءة المباشرة بين دفتي الكتاب؟ خسرنا كثيراً وطويلاً مع مضمون ذلك وما زلنا نفقد جو القراءة المثالي وثقافة استعارة الكتب وأشياء كثيرة سقطت عندما ضيعنا الكتاب.

الجواب يكون بالعودة إلى غرس عادة القراءة من جديد في النفوس وخصوصا لدى الأجيال الفتية وإحياء مسابقة المطالعة والقراءة على غرار ما تفعله وزارة الثقافة مشكورة ومن خلال جهدها الرائع لدعم مكتبة الأسرة والحصول على الكتاب بسعر مناسب..

ويكون الحل بالشعور بالعيب والخجل من عدم قراءة الكتاب واضاعة الوقت في أمور أخرى لا تفيد في إضافة ما يلزم لحياة حافلة بالعطاء والنماء الفكري والعاطفي والنفسي والاستمتاع بالحياة والشعور بالراحة والسعادة. بين دفتي الكتاب هناك ما يكفي وأكثر لصناعة فرح حقيقي عبر صفحات وعبارات أمنيات طيبة بعالم لا يكون سوى بقراءة مجد أمة ترنو للنصر، فهل يكون ذلك قريباً وفريداً للخروج من الظلمات إلى النور؟

fawazyan@hotmail.co.uk