كتاب

بين الهزل والجد!

ما أن اندلعت الأزمة الأوكرانية، حتى اختلطت العديد من الأمور بين الهزل والجد وبين الحقائق والمغالطات؛ ومن تلك البنود الإساءة للمرأة على وجه الخصوص والتندر بالجميلات من الطرف الروسي والأوكراني والعديد من القصص والصور والمقاطع والمساجلات عبر التواصل الاجتماعي..

ليست حرباً كما في الألعاب وليست عملية لجوء كما في الأفلام وليست بطبيعية الحال مجالا للاستهزاء والضحك والمرح في العيون الزرقاء، ولكنها حكاية إنسانية وكارثة تتكرر وتفضح المخططات السياسية وتعصف في الشعوب وتجبرها على الهروب واللجوء والبحث عن الأمان.

'الممرات الآمنة» بعيداً عن الخوف والهلع ومواجهة الغزو ليست مبررا للسبق الإعلامي ولكنها مطلب إنساني لبيان الحقائق المتعلقة بجوانب الكارثة جراء الاعتداء على الشعوب ومنها العربية والإسلامية على وجه الخصوص والتي تثبت جميع الإحصائيات وتشير إلى أن اللاجئين هم من المسلمين حول بقاع العالم.

ما تزال الصورة حاضرة أمامي وبقسوة وتحديداً في أواخر الثمانينيات حين تم لجوء مجموعات من مسلمات البوسنة وتم إيواؤهن في المدرسة الحرفية في جبل الأشرفية، كنت أعمل حينها معلما في مدرسة محمد إقبال وفي جبل الأشرفية تحت مسجد أبو درويش، توالت الحكاية بين الهزل والجد لزيارة مكان الإيواء والاختيار، كم كانت دعوة صعبة لم أحبذ أبدا تلبيتها (والحمد لله لم استجب لها)، كانت قضية إنسانية تتكرر وتكررت مجددا مع اللجوء العراقي والسوري ومن قبل الفلسطيني مروراً باللجوء الأفغاني والليبي واليمني واللبناني والحقيقة المرة لمعاناة ال?اجئ من بيع كليته وأعضائه وأولاده وبناته في حالات معينة من شظف العيش ومرارة الأوضاع القاسية والمخيفة.

ليست القضية في مجندة جميلة أو سيدة مهجرة سوف ترضى بالزواج وليست في مشاهدة فيلم عنف يتكرر مع الحروب الحديثة، ولكنها حقيقة صادمة ومفجعة عن العنصرية والتمييز والتفرقة والنفاق عند التعامل مع قضية اللاجئين ومع أسرى الحرب ومع مجمل القضية: لماذا تقع تلك الكوارث وما هو سببها ومبررها الحقيقي؟ المرأة والطفل من أهم الضحايا جراء الحروب، ولعل جميع المشاهدات لأطفال الحروب حول العالم ما تزال تعاني خلال الفترات الزمنية السابقة من حروب الخليج الأولى والثانية وسقوط بغداد والأزمات المتتالية نتيجة الربيع العربي وتوسع أعداد لا باس بها من اللاجئين العرب والمسلمين حول العالم ومعاناتهم قبل واثناء وبعد اللجوء إلى الممرات الآمنة في بلدان الاستضافة والدعم.

المؤسف تحول أزمات الشعوب في بعض وسائل الإعلام والقنوات الفضائية إلى مسلسلات من التضليل والإثارة بعيدا عن معنى الإنسانية المهدورة والقيم المستباحة والآثار النفسية جراء الاعتداء الصارخ على حق العيش لدى الشعوب.

بعيدا عن التحليلات السياسية، إلا أن القضية برمتها تقوم على أساس المراوحة بين الهزل المثار من السخرية هنا وهناك وبين الجد الماثل لاحتواء الازمات وتلبية شروط الأطراف المتنازعة والعودة للحوار والهدنة ووقف الحرب.

قطع خطوط الإنترنت في المحيطات خط دفاع وهجوم استراتيجي، لكنه يقع ضمن مساحة بين الهزل والجد؛ ما سوف يحدث للعالم لو تم قطع خطوط الإنترنت وقطع الاتصال والتواصل مع العديد من مجموعات التواصل الافتراضي والرقمي في عالم التكنولوجيا؟ تبقى ماثلة للعيان والخطر والقلق مسافة بين هزل وجد السياسة في مسألة الاتفاق النووي والتوصل الى مراحل مسدودة بعد اتفاق لوزان عام 2015 بين جميع الأطراف المعنية، وهل الخطر النووي قادم بفعل الطمع السياسي؟ الحرب العالمية الثالثة ما هي سوى جدلية بين الهزل والجد تحمل في طياتها حالات من عدم التوازن والإثارة والكثير من أعداد اللاجئين عبر الحدود ومن خلال معاناة إنسانية فظيعة نتيجة فقدان وخسارة الأوطان!

fawazyan@hotmail.co.uk