الرسالة الملكية للشعب الأردني لمناسبة عيد ميلاد جلالة الملك الستين، تترجم حكاية دولة ووطن وشعب، تنقش تاريخ بناء دولة عصرية بدأت من ضيق ذات اليد قبل مئة عام، رسالة حملت بين أسطرها وأحرفها، معاني كبيرة تصلح دستورا أنموذجيا لحياة الفرد والشعب، تنثر عبيرها برذاذ عيون يلامس القلوب، تستنتج منها الحكم بقراءة مستفيضة، حيث مهارات الاستماع للشكوى، التشخيص، ثم العلاج؛ تعطي أمثلة على فنون الاستقراء والتخطيط، استنباط الحكم من رحم أحداث التاريخ، توفر رصيدا من الخبرات والنتائج لرسم خارطة طريق للمستقبل، يليق بقاطني هذا الوطن الذي يسكن بقلب العروبة النابض، نُسجت من أحداثه جدارية التضحيات، أهلته لاحتلال مقعد الصدارة بين الكبار؛ سلاحه الأقوى الاعتدال، الثقة، الإيمان، التخطيط، الطموح، بعد أن حذف من قاموس معرفته التشاؤم، الإحباط، الأنانية، وكان المبادر لاستبدال كلمة الأنا بكلمة نحن، فسلاح الجماعة أقوى من الفرد، والأوطان باقية للجميع.
الدعوة الملكية لترجمة المحبة والثقة لها أبعاد تتعدى حدود منطقها، تبدأ بالابتسامة المجردة بلحن فيروزي، لأنها الأساس بالبناء الصحيح لمستقبل أفضل وسط عالم متسارع متناقض، ارتدى ثوب الجشع ولهط مقدرات الآخرين، والابتسامة سلاح قوي وعامل بناء أقوى، يقرب المسافات بين القلوب، ويؤلف بين النوايا، يفرض استخدام الضمير بالأداء لتجفيف منابع الأنانية ليسخر الزمن لخدمة الإنسانية، فهناك شرخ في الثقة بين الشعب والحكومة بتراكمات هرمت بدون حلول، بحاجة سريعة للترميم لإعادة الاعتبار للطبقة المتوسطة باعتبارها ركن الوصل وصمام الأمان بين فئات المجتمع، واقع المصارحة الذي يتطلب مسؤولين يتمتعون بجرأة اتخاذ القرارات الميدانية دون مهابة أو خوف أو محاسبة، بل بعقول متفتحة قابلة للنقد والمناقشة والرجوع عن الخطأ، فهذا أولى خطوات محاربة السلبية والانغلاق الذي يتغذى بغبار الزعزعة والاشاعة، ينتقل عبر وسائل التشاؤم والاحباط، ليجعل من ذاته سجينا وأسيرا للتردد والخوف، فالسلبية تنخر الهياكل الوطنية وتؤدي لكهالة مبكرة فوق قضبان الشكوك والتردد.
مسيرة البناء الوطني لم تكن معبدة أو سلسة، بل فيها من التحديات الكفيلة بتحجيمها، لولا العزم لرجال هذا الوطن الهاشمي وإيمانهم بصنع الفرق، فنحن كبلد، جزء من المنظومة العالمية، لنا خصوصية ولنا مصالح مشتركة لبناء التحالفات التي تخدمنا وتوفر لنا حماية نحتاجها، والمسيرة كأي دولة قد يعتليها خطأ أو تقصير، الذي يحتاج للاعتراف بدون اختلاق المبررات، لأن شفافية التعامل ترفع الشأن وتزيد رصيد الثقة، وتقوي حاجز الحماية، بينما القفز عن الأخطاء أو محاولة طمس معالمها أو ترحيلها لما بعد، يجعلها فجوة أكبر لأنها المرادف للفساد الوظيفي الذي ينخر بطموحات الشباب المتعطش للانطلاق والإبداع، وربما الخطوة الأولى من سيد البلاد بتوجيهه الدعوة لديوانه الملكي لتنظيم ورشات عمل وطنية في بيت الأردنيين، تجمع ممثلين من أصحاب الخبرة والتخصص في القطاعات الاقتصادية، بتعاون صريح مع الحكومة لوضع رؤية شاملة وخارطة طريق واضحة ومحكمة للسنوات المقبلة، تضمن إطلاق الإمكانيات لتحقيق النمو الشامل المستدام الذي سينعكس بنتائجه على أمانينا، يختزل ضمائر التشكيك وتغييب الحقائق، بفرض سيادة المنطق والحق والعدالة، يؤسس له باحترام عامل الزمن؛ بعمر الوطن والمواطن، حتى لا تعطى الفرصة لتسلل الاحباط لفئة الشباب التي يراهن عليها وعلى دورها المحوري صاحب الجلالة وولي عهده الأمين، فقد ذكّرنا برسالته بأن والده الملك الباني رحمه الله قد نذره لخدمة الأردن والأردنيين بيوم مولده، ويسير على نفس النهج والدرب بأن نذر ولي عهده ضمن نفس المبادئ والأهداف.
الرسالة الملكية قد احتوت بفقراتها على عناوين مهمة ومحطات يجب الوقف على إطلالاتها، مخصصة للشباب؛ دورهم ومستقبلهم، فمملكتنا فتية، غنية بإبداعات شبابية تمتلك من الطاقات الإبداعية الكفيلة بصنع الفرق، شريطة إعطائها دورها المستحق وتغيير الصورة النمطية القديمة بتجاهل هذه الفئة تكريما لخبرات العمر، بل يجب أن تكون مكملة لها تمهيدا للإحلال المنظم لديمومة تمطر بسخاء على الجميع، وربما بدأت أولى خطوات العمل بالتوصيات التي أقرتها اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية والعمل الحزبي والانتخابات عندما أفردت بحكم القانون مساحة لفئة الشباب للتنافس بجودة العمل والأداء.
جلالة الملك عاتبا على تراجع مستوى التعليم بعد أن كنا في الصدارة، حيث أوضح بصريح العبارة عدم تناسب مستوى التعليم من حيث الكمية والنوعية مع متطلبات الواقع، فهناك انحدار بمستوى التعليم؛ اجتهادات ساهمت بتدني المستوى، وهناك محاولات لاختراق قدسيته، نجتهد بتفسيرها، والمؤسف أن هذا النخر في جدار التعليم قد صنع شرخا يزيد حجما ومساحة، والعرابين للإصلاح من هدموا؛ معادلة غريبة حذرنا منها تكرارا لافتقارها للمؤسسية واعتمادها على رؤية أحادية يجملها صاحبها بكلمات ومقارنات تبدو بظاهرها أنيقة وواقعها مر وقاتل، بل هناك ترشح لمعلومات عن نية سيادية لإعادة السنة التحضيرية لبعض الكليات بالرغم من الفشل الذي اعتراها.
لقد شخص جلالة الملك الحالة بوضوح حيث وضع أصبعه على الجرح، فالمسؤول المرتجف في صنع القرار اصبح ماركة مسجلة في الإدارة الحكومية، ومرد ذلك بكل اسف الى الطريقة التي اصبح يسأل بها المسؤول الحكومي من الجهات الرقابية، بل أصبح يهاب النحر أحيانا على مذبح مجلس النواب، فيصبح المجتهد متهما بسبب قصاصة ورق يلقيها مغرض تحت عقب باب ممثل هذه الجهات الرقابية في المؤسسات الحكومية، فيضيع جهد المسؤول ويستنفذ من شخص يركز على تدقيق القشور الاجرائية لا جوهر العملية الادارية، وهنا ايضا بين جلالته أن شجاعة المسؤول الذي يصنع قرارا للمصلحة العامة عاملا بروح القانون لا متمترسا خلف الانظمة والتعليمات طالما أن قراره يعود بالمنفعة العامة على الوطن لا عليه شخصيا.
سيدي صاحب الجلالة: أهنئك بعيد ميلادك الميمون، عيد ميلاد الوطن المتجدد الذي يسكن القلوب، وأهنئ الوطن بمليك يحمله بأذرع، بمليك هو الجندي والمعلم والطبيب والمهندس والمحامي والأب للعائلة كاملة، فالشيب الذي غزا محياك، يليق بحكمتك ويعطينا البرهان للغد الأجمل القادم وللحديث بقية.