كتاب

لجنة الإصلاح الإداري

لم يعد مُخجلاً القول إن جهاز الإدارة العامة في الأردن قد وصل إلى حضيض الترهل وانعدام الكفاءة وهو مُصاب بعُسر الفهم وسوء التطبيق، بالرغم من الدعوات المتكررة لانتشال هذا القطاع مما هو فيه وانتهاج طريق الحاكمية الرشيدة، ورغم تقليعة إصدار مدونات السلوك التي لم تؤتِ أُكلها، وبقيت خطط الإصلاح بعد الانتهاء منها سجينة الأدراج المغلقة، وإن تنفست الصعداء في عهود ودوائر محدودة، وباستثناء مؤسسة جائزة الملك عبدالله الثاني لقياس الأداء والشفافية التي نهضت ببعض الدوائر والوزارات نسبياً، فإن الإدارة العامة لم تخطُ الى الأمام سوى خطوات متواضعة ومتقطعة.

هذا الوضع المأساوي لما آلت إليه الإدارة الأردنية يكاد يعم معظم المؤسسات والدوائر الحكومية التي ينشغل عنها الوزير بفتح البريد وتوقيع المعاملات ومنح إجازة ونقل موظف وتوظيف آخر بدلاً منه وافتتاح ورشة عمل واستقبال نواب يخشى من سطوتهم وعدم تلبية طلباتهم الذين أسهموا على مدار أكثر من 20 سنة بحشو الدوائر والمؤسسات بكادر ضخم من الموظفين من ذوي الامكانيات المحدودة ومتوسطي الهمة وغدا معظمهم حمولة زائدة وثقيلة، بعد ان ازدحمت بهم غرف الدوائر والمؤسسات.

تشكيل لجنة للإصلاح الاداري برئاسة دولة رئيس الوزراء وتكراره تعهده بأنه سيشرف شخصياً على هذه اللجنة كان مبعث أمل، لكن مبعث الأمل الكبير هو لقاء رأس الدولة بلجنة تحديث القطاع العام، مما يعني ان مسألة اصلاح الإدارة العامة تحظى بأولوية قصوى في خضم الإصلاح الشامل بمختلف مناحيه، المطلوب هذه المرة ليس عروضاً بلغة الــPower Point والإعلان عن الخطط، بل يجب أن تكون غاية الاصلاح منوطة بالتنفيذ ضمن تصور واضح ومعلن ومحدد بمدد زمنية بعد المرور على التشريعات المعرقلة والأنظمة التي تصدرها السلطة التنفيذية، والتي تلوي عنق القوانين والتخلص منها، كما يجب أن تلتفت هذه اللجنة الى برنامج الحكومة الالكترونية الذي يعلن عن عدم كفاءته يوماً بعد يوم، بحيث يأتي الجواب: عدم اكتمال المعلومات او هناك نقص في البيانات او السيستم عطلان، مما يضطر المراجع للذهاب الى الدائرة او المؤسسة ثلاث او أربع مرات، ثم ندعي أن الخدمة تؤدى بالأون لاين.

إنّ عملية الإصلاح الاداري هي الأساس لعملية الإصلاح الشامل الموعودين بها، وتعزيز مفهوم التنمية المستدامة وتعظيم القدرة على الجذب الاستثماري، فلا يمكن الاستمرار بممارسة البيروقراطية الادارية في مجال الاستثمار، والتي أدت الى هروب الكثير من المستثمرين وقد تعرضنا سابقاً لتشريعات الاستثمار المتضاربة والجامدة، ولدور النافذة الاستثمارية الذي ما زال على ما هو عليه مشرعاً لرياح التغيير التي لم تهب حتى الآن.

ختاماً فإن الإدارة الأردنية التي كانت مثلا يحتذى على المستوى العربي تحولت إلى إدارة قطاع عام تدار بطريقة مركزية بامتياز فلا تفويض للصلاحيات ولا وقت لدراسة تقارير المراجعة والتقييم وما زالت سياسة الإرضاء هي العنوان الرئيسي في منهاج الإدارة الحكومية الجديدة فالقرارات المصيرية المتعلقة بحقوق الناس وأعراضهم وأموالهم لا تصدر إلا بعد شق الأنفس وبطريقة لا تخلو من تعجب مما أثر على الاستثمار الذي بدوره يعاني من الروتين والتخطيط والبيروقراطية والتي ساهمت بنجاعة في حمل كثير من المستثمرين الأجانب على حزم حقائبهم والتوجه الى مصر وتركيا.