كتاب

كلام في إصلاح الإدارة العامة

قد يقول قائل إن الإصلاح السياسي حمل بين ثناياه إصلاحاً إدارياً، وإذا كان هذا الكلام صحيحا من الناحية النظرية ضمن بيئات محددة تملك ترف الوقت، إلا أن الأردن للأسف ليس من ضمن هذه البيئات بالنظر إلى الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية الماثلة أمامنا والتي تحتاج إلى تدخل فوري وحاسم.

ومع إقرار التعديلات الدستوية وهي الركن الأول في منظومة الإصلاح السياسي، فإن الوقت قد حان للالتفات فورا وبجدية إلى المسار الإصلاحي الذي لا يقل أهمية باعتباره الأرضية التي تمهد الطريق لإنجاز كل الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتزيل الحواجر التي تعيق التنمية الفعالة، والحديث هنا بالضرورة عن الإصلاح الإداري الحقيقي الذي يعود بنا إلى إدارة عامة كفؤة وخاضعة للمساءلة، فعالة وشفافة بنفس الوقت، وتقوم على مبادئ اللامركزية ومكافحة الفساد لا بل اجتثاثه والحوكمة الإلكترونية، بالإضافة إلى مبادئ حرية الوصول إلى المعلومات فعلينا أن ندرك أن غياب المعلومة الواضحة وذات المصداقية دفعت بالناس في الكثير من الأحيان الى استنتاجاتهم الخاصة التي أصبحت في كثير من الحالات حقائق متداولة اجتماعيا للأسف.

وإذ نطالب اليوم بمنح هذا المشروع صفة الاستعجال، فذلك لأننا نراه الوسيلة الأساسية التي يمكن من خلالها تنفيذ استراتيجيات الدولة الأردنية العابرة للحكومات لتحقيق الأهداف الانمائية المستقبلية. وهذا بالتأكيد يتطلب أكثر من مجرد تحديث المؤسسات الحكومية وخفض تكاليف الخدمة المدنية، ودمج بعض الهيئات المستقلة، لأن الوقت قد حان لتعزيز ديناميكية العمل العام والشراكات مع القطاع الخاص بهدف تحسين جودة الخدمة، وضمان مشاركة واسعة من المواطنين في صنع القرار وقراءة ردود الفعل وقياسها على أداء الخدمة العامة.

وفي الحديث عن الهيئات المستقلة علينا فعلاً أن نميز بين المؤسسات المستقلة دستوريا وفق أحكامه (مثل السلطة القضائية والهيئة المستقلة للانتخاب التي لا يجوز أن تكون تبعيتها للسلطة التنفيذية دستوريا)، وبين المؤسسات المستقلة حاجةً وضرورةً وتحصيناً مثل البنك المركزي، وبين المؤسسات الاخرى التي استقلت بطراً وترفاً وتضخماً وهذه بالذات تشكل الغالبية العظمى من المؤسسات التي تحتاج إلى عودتها إلى شريعتها الأولى لوقف الازدواجية الحكومية في اتخاذ القرارات..

ليس سرّاً أن من أبرز معيقات الإصلاح الإداري هو غياب الطريقة المؤسسية في اتخاذ القرار الإداري، ولعل ذلك وراء غالبية المشاكل المركبة في الأردن. هذا الغياب يؤدي بالضرورة إلى تقويض نظام الجدارة ويصبح النظام الإداري غير مكترث بالمساءلة ويظهر التزاما منخفضا بأخلاقيات المهنة، فأصبح معتمدا بشكل مفرط على المحسوبية والفساد والشبكات الزبونية المبنية على مصالح العلاقات العامة المتشابكة.

لن ينجح ذلك إلا بإعادة تسليط الضوء على قضايا النزاهة والفساد، وترسيخ اجتثاث الفساد بدلا من مكافحته في سياسة الإصلاح، بذلك ننتج «مؤسسات دولة» فعالة في توصيل المنافع العامة بعدالة، وهي بنفس الوقت قوية وقادرة على المواجهة إذا تطلب الأمر.

ولعل كلمة السر في اجتثاث الفساد وقطع الطريق على الفاسدين هو في الأتمتة والتكنولوجيا التي تخفف من التواصل البشري بين مقدمي الخدمة ومتلقيها فضلا عن خفض كلف الوقت والمراجعات المرتبطة بإنجاز الخدمة.

لا تعني دعوات إعادة مأسسة الإدارة العامة أننا نريد التمسك بأنماط من الإدارة العامة عفا عليها الزمن، بل أن هنالك بعض الخطوات البسيطة والقابلة للتطبيق والتي من شأنها تعزيز ثقة الجمهور في المؤسسات الحكومية التي وصلت إلى أدنى مستوى ممكن، ومن هذه الخطوات على سبيل المثال إتاحة المعلومات والبيانات الخاصة بالوظيفة العامة وشاغليها على شبكة الإنترنت وبهذا يصبح المجتمع المدني شريكا في المساعدة بجهود القضاء على الفساد و'ردعه» فضلا عن دحض الاتهامات الخاطئة ودفن الإشاعات في مهدها!

على مؤسسات الدولة أن تلتقط وتستثمر التأكيد الملكي الحاسم بضرورة السير بجدية وشفافية في عملية الإصلاح الإداري ضمن برامج واضحة الأهداف، ومحددة زمنيا ليلمس المواطن أثرها، وعلينا أن نربط هذه الحزمة بإصلاحات تشريعية تسهل نشاط الأعمال بما في ذلك المعايير التنظيمية المتناغمة مع الممارسات العالمية، وقد حان الوقت بالتأكيد للبدء في كل ذلك!