الموت حقيقة مؤلمة غير مرحب بها بأي ظرف أو توقيت، واختلاط الدموع بشذرات الألم والأسى، تجعل من الحزن سيد الموقف ومسيطر المكان، فلا الكلمات تداوي الجراح، ولا الصراخ والبكاء يوقف النزف من قلوب الأهل والمحبين، فالموت نهاية حتمية ونعمة ربانية، يصعب توقيتها أو برمجتها بظروف الواقع، تفتح سجى الذكريات والمناقب بهدف تلطيف وقع الأسى، فيذكر المرء بما أنجب وأنجز، شاهد حماية للمسيرة. تتعثر الأحرف والكلمات، تتنافر المعاني بين سجى وطباق، لبركان الصدمة الكبيرة التي ودعنا فيها العام المنتهي برحيل أستاذي الموقر علي فالح بركات، عبقري محارب من رواد التربية والتعليم، حفر أيقونة بجدارية القلب لجميع من تتلمذ على يديه، خبر أدمعني وألزمني صمتا غير معتاد، جلست أمام صورته المقرونة بكلمات رثاء مؤثرة ليفرض الموقف فتح سجل الذكريات، متلحفا بالم التقصير عن التواصل واللقاء، فكلمة «لو» عاجزة بدون معنى، بعد أن احتضن تراب الوطن الجسد، لنجلس بظلال العطاء نستعرض شريط الذكريات بما تسعف الذاكرة.
تتلمذت على يديه بالمرحلة الابتدائية في ستينات القرن الماضي التي جعلت من حصة التاريخ متعة، تعلمت منه أصول كتابة واستخدام الحرف والكلمة، ودرست مساق التفكير والجرأة وأدبيات الاستقراء والابحار خارج السياق، وبواحد من حصصه التعويضية، تبرع أستاذنا الفاضل بطرح سؤال تحفيزي نُقِش في ذاكرتي حتى الساعة عن رؤية المستقبل، وأمام إصراره على الاستماع للجواب منفردا لكل منا كطلاب، أجبته بأنني قد قررت دراسة الطب لو سمحت ظروفي وعائلتي بذلك، فأمطرني بعبارات التشجيع المستحقة، ساهمت بتغذية هذه الأمنية وتحقيقها بعد إصرار لتوفير مدخلاتها، وكبرت، وبدأت مشوار كلية الطب، وعلمت أن أستاذنا في الابتدائية، محارب علمي وعاشق، ليواصل مشواره الدراسي والتدريسي؛ المعلم والطالب، وقد ترجم أمنياته بالحصول على الدكتوراه ليلتحق بركب الأساتذة الجامعيين ويترك بصمة تخليد بجميع مراحل التعليم في الوطن من الابتدائية حتى الجامعية.
حمل أستاذنا رسالة طموح وحلم لفئة مقدرة من أبناء الفلاحين ذات الظروف المقننة بمرافد التسهيلات، ارتوت أرجله عطشا من المسير، بدأ مشواره وأنهاه بتعليم الأجيال ليسطر ملحمة تربوية وتعليمية، لا تعترف باليأس والصعب والمستحيل، استثمر بأبنائه بعد تضحيات لضيق اليد، فكانت ثماره عائلة مثالية، يُشهد لها بكل المحافل والمناسبات، حيث كان لقائي الأخير قبل سنوات في مستشفى الجامعة الأردنية بزيارة كريمة ومفاجئة منه، تبرعت بترتيبها ابنته الوفية الزميلة أمل، لتكون الشاهد على الوفاء.
أستاذي الفاضل: أودعت غراسك الأرض ورحلت دون انتظار، قلت كلماتك دررا ودستورا حتى يومنا؛ لم تنتظر الجواب لأنك الأب والمعلم الحريص على بذور انتاجه، إتكأت على سِفرٍ من الموداتِ والخلق، فَجَمَعْت السجية والمروءة والمودة، لتجعلها دستورا بكلِ فخرٍ وودٍ وأريحيةٍ، فسكنت بمرحلة التقدير لمن عاشرت وعلمت، ولكن غيابك عن عالمنا اليوم والذي لا مناصَ منه، أكمل بنا عقد الموجعات التي تنتابنا واعتام الموت أفضل الكرم، وبدأنا نندم على تقصير عفوي بوقت مضى، واسف وحزن على تقييد للوداع فرضته ظروف جائحة الوباء التي انقظَّت بأنيابها على أبجديات حياتنا، وضعتنا بسجن وأسر يمنع علينا المشاركة بالواجبات الاجتماعية؛ حُرِمنا من الوداع الأخير لمن يرحلون ولهم الفضل على مسيرتنا، ولكنني أردد القول بأن العظماء لا يرحلون بل ينتقلون للفردوس السماوي وينظرون الينا بزاوية مختلفة.
وأدرك اليوم أستاذي أبا حسام وأمل والأحبة أنك لن تقرأ كلماتي، فهي اعتذار عن تقصير قصري، وسفر ببردى التاريخ والاعتراف بفضلك على ما قدمت لأجيال الوطن، الموت إرادة الله لا نملك شيئاً امامها؛ لكل شيء نهاية ونهاية هذه الحياة الممات، الذي يفجعنا ويعطينا فرصة لمراجعة الذات، لعلنا ندرك أن الموت لا يعطي إنذاراً، واقع يلزمنا أن نسأل عن بعضنا، فلا أحد يعلم متى سيكون اللقاء الأخير أو المكالمة الأخيرة، حيث سيكون الحضور لأدب الندم ولن ينفع، فلك الرحمة ولنا العزاء، وللحديث بقية.