كتاب

الخوف من الأحزاب

تردد العنوان أعلاه مراراً خلال مناقشات مجلس النواب لمشروع التعديلات الدستورية وما احتوته من وسائل وقاية تجنب البلاد الدخول في نفق مجهول لدى السير في مشروع الحكومات الحزبية، ووصف المزاج الرسمي بأنه خائف من الأحزاب في ذات الوقت الذي يحث على الانخراط فيها وكأننا بصدد تناقض كما يرى البعض، أو دعوات شكلية كما يرى بعض آخر.

والحقيقة أن الموقف الرسمي هو الأكثر حصافة وحصانة وتحوطا، فبين الرغبة العامة والحاجة الملحة لضرورة مشاركة القوى السياسية في السلطة والقرار، وضمان التدرج المنطقي الذي تستدعيه عملية التحول هذه لا بد من ضمانات قطعية تنأى بالوطن عن التجاذب غير المنتج.

ومن حق الأردن، كما هو من حق غيره، أن يضمن سلامة وصفاء مشارب الأحزاب العاملة على أراضيه، الساعية للاشتراك في سلطته والتأثير في القرار الذي ينعكس على مصير شعبه، وهذه قاعدة لا بد للجميع وأن يدرك أهميتها، وهي كما أسلفنا حق لكل دولة في هذا العالم إن لم تكن في الواقع واجب من واجباتها.

وعليه؛ لسنا بصدد التخويف من الأحزاب، وإن الدولة الأردنية أكبر من أن تخشى حزبا، لكن الأحزاب التي يحتاجها هذا الوطن حقيقة هي صاحبة نظرية الاشتباك الايجابي، التي تعاين المشهد بموضوعية، وتطرح الحلول المنطقية، بعيدا عن وسائل الاستمالة الوجدانية التي تحاول إثارة المشاعر أو تأليب الرأي العام بلا أية خطط وبرامج وحلول.

وحتى نضمن لتلك المنظومة الحزبية فرصة التنافس على السلطة وتداولها، عليها أن تقدم أوراق اعتماد لدى مستويات القرار والشعب على حد سواء، تؤكد من خلالها أنها وليدة الوطن، ومضمارها الوطن، وهدفها رفعته ومصلحة واستقرار نظامه وشعبه.

لقد تشكلت الساحة الحزبية الاردنية بصورة تراكمية، معظمها مستورد من الخارج عبر أبناء وبنات الوطن الذين درسوا في الجامعات العربية والاجنبية، كما كان للأردن كغيره من الدول العربية نصيب في تمدد الحركة الاسلامية إلى أراضيه، أما أحزاب الوسط فهي التي ولدت في رحم الداخل لكنها لم تستطع المنافسة الحقيقية حتى اللحظة لاسباب يطول شرحها.

ويشهد التاريخ أن الدولة ومؤسساتها لم تكن في مواجهة مع حزب من الاحزاب إلا بالقدر الذي تستشعر فيه امتدادا للخارج في أنفاس وأيديولوجية تلك الأحزاب، فبعضها أراد للأردن أن يكون حديقة خلفية كما جرى في خمسينيات القرن الماضي، وبعض آخر رأى في العامل الجيوسياسي عنصرا صالحا للاستثمار والاستفادة والتحالف مع قوى في الخارج، والبعض الآخر لم يسعَ للاستقواء لكنه ولد بلا هوية.

نحن اليوم بصدد الولوج الى مرحلة تترسم فيها الحدود والصفوف لغايات انطلاق الماراثون الحزبي نحو النيابة والحكومة، ويتوجب هنا لمن أراد الالتحاق بالركب أن يحدث من ادواته، وأن ينظم برامجه وكوادره لتنطلق من الوطن نحو الوطن، فهذه المعادلة الضامنة لفتح الطرق أمام المتنافسين بعيدا عن الحساسية والتوجس والريبة، وكل ذلك مفترض وبديهي وطبيعي.