التنقل والترحال في بازارات التصريحات المتعلقة بالتطورات الوبائية لفيروس الكورونا يجعلنا نجول بمنطاد الشك والوهم، نحتسي قهوة الألم المصنوعة من الدمع بسبب الضبابية وفوضى الحباكة لسيناريو الخطابة، لأن معظم المعلومات التي تدلف عبر وسائل الإعلام غير مرتبطة أو متوافقة مع بعضها، الأمر الذي يجعلنا نسير بنفق الشك وظلامه.
ورغم المطالبات المتعددة منذ بدء الجائحة بضرورة وأولوية توحيد الخطاب الإعلامي المتعلق بالأمور الحياتية الحساسة، إلا أن المرجعية ما زالت متشعبة على مستوى الإجتهاد الشخصي لأصحاب القرار أو تعدد المرجعيات ذات العلاقة، وبخاصة في ملفي التربية والتعليم والصحة، بل ومن المؤسف صدور تصريحات مسؤولة وقد اعتمدت على الاجتهاد والخبرة، ليتم نفيها بتصريحات مسؤولة متضاربة.
صورة تجسد عدم التنسيق والمعرفة بين الأجهزة المختصة وانعدام المرجعية الحقيقية، التي ساهمت بزيادة مسافة ومساحة البعد بين أجهزة الدولة والمواطنين، وربما الرسالة الملكية باللقاء الأخير مع أعضاء المكتب الدائم لمجلس الأعيان بضرورة توحيد مصدر المعلومة للمواطنين تشتمل بواحدة من أركانها، المعلومة الصحية ذات العلاقة، خصوصا أن ظروف الوباء المتغيرة منذ انتشاره وما فرضه من واقع تعليمي، والتحورات المتعددة على مادته الجينية، قد فرضت شكلا من أشكال التكيف مع المستجدات التي تتطلب التحديث المستمر بشكل لا يتعارض أو ينسف أو يُ?طّىء السابق منه.
هناك اضطراب مؤسف بالخطاب الإعلامي، فالاجتهاد والسبق بنشر المعلومة هو سيد التصرف والموقف بيومنا، فمعظم وسائل الإعلام بمختلف مسمياتها تعتمد نفس لغة الخطابة والخبراء للحديث، بالرغم من إخفاقات وأخطاء وتفسيرات ومتناقضات مسجلة دون الاستفادة من صياغتها وتحجيم أثرها.
فنحن نعيش فترة قلق وخوف، نبحث عن المعلومة على أمل إنارة شمعة في الظلام، فنحبط بتناقض التصريحات التي تعبر عن رأي شخصي في الغالب، وربما هناك تجاهل عفوي أو مبرمج لأصحاب الاختصاص الدقيق للحديث والكتابة عبر وسائل الإعلام الأكثر مشاهدة واستماعا وقراءة، بل وأجتهد القول أن البعض المتخصص قد اختار الابتعاد عن مسرح الأحداث، حتى وجدنا أنفسنا بمعركة تحدٍ كبيرة ضمن بيئة الإشاعات والافتراضات التي يغلفها ثوب الشك.
وهي بيئة خصبة تسمح بالإنتشار السريع للرأي والإجتهاد مهما كانت درجة مصداقيته، فهناك حاضنات تغذي مثل هذا النوع من الضبابية لأسباب قد نجتهد بتفسيرها.
حكايات البطولات الوهمية التي تنحصر بأداء أشخاص قد أصبحت خارج نطاق جدول المناقشة، بل مادة للسخرية بالوقت الضائع يتم تداولها بين مجموعات الواتساب، لأن المطلوب من هؤلاء تقييم خبراتهم ونتائج أعمالهم.
حقيقة تفتح النار على تجاهل أصحاب القرار واستمرارهم بالمجاملات والندوات والنشاطات غير المفيدة التي نشاهد فصولها بسباق محموم ببثها عبر وسائل الإعلام التي تقدم خدماتها المجانية أو المدفوعة، فلا يعقل أبدا أن تكون غيوم الإعلام تمطرنا يوميا بإنجازات حصرية مغلفة بصورة وطنية، وهي الأبعد عن هذه الأرض التي نعشقها.
فاعتقاد البعض المحاط بفئة من المسحجين والمصفقين بصواب المسيرة في حربنا الشرسة، يمثل كارثة وطنية، يجب وقف حلقاتها بأسرع وقت ممكن، والمبادرة الفورية بضبط الخطاب الإعلامي وتوحيده بجميع المجالات الحياتية يجب أن يكون أولوية بكل الأجندات العملية، فهناك فهم قد يكون متعمدا أو عفويا للحرية بالتعبير أو التصريح أو الإجتهاد، بجميع المستويات وتحديدا بمن يحملون أمانة المسؤولية لأبجديات المتطلبات الأساسية لحياتنا.
فنحن شعب ذكي بالفطرة، قادر على التحديد والتقييم، رسخنا مبدأ الانتماء فأصبح سلوكا ذاتياً، وواقعا يوجب على جميع المسؤولين وعرابي التواصل الاجتماعي أن يكونوا على دراية ووعي بأننا قادرون على فرز الأقوال وإقرانها بالأفعال، مذكرا الجميع أن سياسة التبرير والدفاع الجاهزة بعناوين وأساليب متعددة، قد أصبحت اليوم من تراث الماضي الذي علمنا دروسا وصنع منا أبطال الحقيقة والمواجهة..
فالحقيقة ليست حصرية، والشعب هو الحكم ومصدر السلطات، قادر على إفراز نخبة قيادية متجددة ومتسلحة، فدرجة عدم الثقة والإحباط اللذين يلازماننا اليوم، جعلا الطموحات والأماني تنصهر بدرجة غليان الانتماء الذي رضعناه منذ الطفولة، حلم عاش فينا وكبر معنا، لأننا في النهاية معنيون بالمحافظة على الأردن القوي والمتماسك.
مناسبة لأكرر ما سبق وذكرته بمقالة سابقة، أن تلقي المطعوم قد أصبح ليس خيارا شخصيا أو ترفاً تحت مظلة الحرية، بل واجبا وطنيا ملزما، فمن يعتقد بفصول نظرية المؤامرة أو عدم القناعة، أو لديه مبرر يفصله لذاته، كلها أسباب تلزمه البقاء داخل حدود جدران منزله، فهناك رابط سحري مزعج بسلوك من يحتضن فوضى الخطابة وبين الرافض للمطعوم تحت فاصل الحرية.. وللحديث بقية.