كتاب

إطلاق النار على الأقدام

بلا تردد، ينبري أيّ منا ليدفع أي تهمة أو إشاعة تطاله أو تطال أسرته أو عشيرته وحتى محافظته، لا بل قد يتبرع أيّاً كان ليدافع عن أيّ من ذلك نيابة عمّن يعرف، لكن لا أحد يفعل ذلك–إلا قليلا- إذا تعلق الأمر بالبيت الأكبر، والأسرة الأشمل، أي إذا تعلق الأمر بالوطن.

ولا تقف الملاحظة عند ذلك، ويا ليتها كذلك! بل إن تناقل أي إشاعة هدامة أو أكذوبة أمر سهل إذا تعلقت بالوطن، مهما بلغت من الحساسية أو الأثر البالغ الذي قد يصل أحيانا للإنذار بالانهيار أو الإفلاس أو انعدام الأمن، كما بات من السهل جدا إسناد تهم الخيانة والتشكيك بالوطنية.

وفي مجمل الأمر، قد يكون التناقل دون التبيُّن أمرا طبيعيا إذ قد يكون من باب الخوف على الوطن ومن جملة القلق الشعبي على حاضره ومستقبله إضافة لعامل الثقة المتذبذب والمنخفض، لكن المعضلة حقاً تكمن فيمن يطلق الإشاعة ممّن يعدّون أنفسهم مؤثرين على الشاشات الزرقاء.

ومن ضمن تلك الموجات الإلكترونية العاتية تناقل معلومة بصيغة استفزازية تقوم على تهويلها أو الترويع منها، وهذا بحد ذاته ضرب من ضروب التحريف المقصود الذي لا يمكن وأن يؤخذ بنية حسنة حتى وإن كان الغرض منه تحقيق شهرة سواء كانت بمقابل أم بلا عائد مادي.

وإن أدق تشبيه لمن يمارس هذا التشويش والتشويه والتهييج بأنه كمن يطلق النار على قدميه، فالوطن للجميع، وما يضره أو يضيره يعود علينا بالأذى، لا سيما وأن العالم أصبح وحدة واحدة تتناقل الأخبار فيما بينها وكأننا في إقليم واحد، وهنا تأتي أهمية إظهار الصورة الحقيقية لا الإلكترونية المزيفة.

فليس في مصلحة أحد أن نراكم الاشاعة تلو الأخرى، وإذا تحققت مصلحة من ذلك فهي ليست لنا بل علينا.

إن هذه الضوضاء الإلكترونية التي قاربت مرحلة الانفلات لا تتفق مع حرية التعبير في شيء، فالتعبير فعل ينطوي كغيره تحت حدود القانون الذي يعاين الباعث والأثر ويجرّم أي خلل يطال أياً منهما أو كليهما، وإن هذا التشويش معيق لأي جهد يرجى منه معالجة ما لدينا من مشكلات حقيقية، فقد بات لجماعات الضغط الإلكتروني تأثير وصل حدّ دفع المسؤول نحو اتخاذ قرار أو إحجامه عن اتخاذ آخر، وهذا بحد ذاته أول وأهم أسباب تراخي الإدارة–التي لا تُعذر عليه–لكنه حقيقة واقعة أصبحت تشكل حائلا دون السير نحو الأمام، وتضغط على أعصاب الجماهير بمغالاة ومبالغة تدخل في تشكيل مزاج سلبي بعيد كل البعد عن الإيجابية اللازمة للتقدم والعطاء.

في كل تشريعات الدنيا، تقدّم المصلحة العامة على الخاصة، ويمتلك المتضرر من الفعل صلاحية إسقاط حقه عن الفاعل فيما يتعلق بالحقوق الشخصية أما الحق العام فهو ثابت لا يتأثر بغيره ولا يسقط تبعا لأي عامل آخر، ومن هنا جاءت حكمة حماية حق الدولة ومجتمعها لما لذلك من قدسية ومكانة، ولا يستساغ أن نتهاون فيما يتعلق بالوطن ونتشدد في ذات الوقت بحماية ما هو أقل شأنا وعمومية.