من العقبة ثغرنا الباسم، لعروس الأردن على البحر الأحمر، تعود اجتماعات العقبة الدولية، كمبادرة أمنية سياسية إقليمية ببعد عالمي مؤسسي أسس لها الملك عام ٢٠١٥ لتكون عملاً دوليا استخبارياً وإضافة نوعية لجهد مقاومة التطرف الذي كان يعاني التشتت والفردية.
ولتتولى مهمة واحدة واضحة، وضوح أدوات الإرهاب بحصار الإرهاب أولاً، في أي مكان بالعالم وإمكانية قيام جبهة صمود وتصد ليست كما في البال والذاكرة أيام «الهزاعيات والفزعات» العربية، لتضع وتقر استراتجية عالمية للحيلولة دون شيوع التطرف فكراً وثقافة ومسلكية بائسة يائسة في العالم..
فالبدايات والنهايات كما نظن وطيلة ٤٩ عاماً من مقارعة هذا النوع من العنف والإرهاب سمته البارزة والتضحيات محصلته، الذي تعرضت له أمكنة عديدة من الأردن فصنعت الخوف والرعب من أقصى الوطن لأقصاه أن التصدي له يراوح مكانه ولا يجدي نفعاً وفي أضعف الإيمان التوعية من مخاطر توسعه والتزام الصمت نحو أفعاله المشينة.
كانت العقبة قد أطلقت شرارة رد ثأري وانتقام ممنهج لمقاومة الإرهاب والتطرف جراء تأذي الأردن، من الأرهاب الذي أودى بـ ١٥٦ مواطناً وجرح ٣٠٠ آخرين بمعدل ١٣٣ عملية إرهابية طيلة أعوام من الـ (١٠٠) الأولى لعمر الدولة الاردنية، وهذا سياق دام احتوى سقوط عبدالله الاول شهيداً على عتبات «الأقصى» وهزاع في مبنى «الرئاسة» ووصفي في القاهرة، وشهداء وكوكبة سفراء وسياسين أردنيين من الدرجة الأولى سقطوا برصاص الإرهاب وتفجيراته العبثية.
فأثرت مداولات العقبة وخارجها، ومنذ اللقاء الأول ٢٠١٥ حتى الأسبوع الماضي، أن يكون البحث مطولاً، في قضية القضايا والتي أشغلت العالم، الموسومة بالتطرف واعتبار اللجوء للإرهاب الأعمى، سلاح الفارغين من ذرة إنسانية المغسولة أدمغتهم، من قضية تساوي الوجود، بديلاً للحوار والتعايش الأهلي.
وإن كان البعض سيقول، إن هناك تناقضاً لهذا المفهوم، مع ما أقرته المنظمة الدولية والمواثيق والأعراف الدولية بشرعية مقاومة الاحتلال والاغتصاب، وحق العودة والمقاومة بكافة الأساليب واستناداً فيما يبدو إلى البرتوكول الأول لاتفاقيات جنيف ١٩٧٧، وباستهانة منطق إحلال شعب محل شعب آخر، لا يملك الأرض ولكن منطق الاغتصاب والقوة الغاشمة، كانت سيدة الأزمان والأمكنة ومكانناً في هذه الأرض محضر احتلال بالقوة الغاصبة الغاشمة لأرض مالكيها عرب اقحاح.
وهذا السياق من أبسط المتابعات، لاجتماعات العقبة الدولية فدأبت على التواصل، مع مستجدات هذه الحالة، التي إن قفزنا عنها كأننا نقفز بالمجهول، ولا سيما والقاسم المشترك الأعظم فيها التطرف والأعمال الجنونية، التي يقترفها بعض من المخبولين فكرياً وسياسياً ومنحرفين في الخلق العام.
وكونها واحدة من أهم المبادرات الجمعية، لدول اكتوت بنار الإرهاب والتفجيرات الظالمة الظلامية، التي حصدت أروحاً منشغلة بقضايا العدل والحقوق الأولية للإنسان والمساواة، واعطاء لكل ذي حق حقه.. كانت اجتماعات العقبة الأسبوع الماضي في قمة اهتمامات الملك وانشغالاته المعروفة للقاصي والداني وهو يقاتل بشراسة بفكر معتدل وسطي وبصدام مع فكر «منعزل خارجي» شامت ومصاص دماء، أجرم في الاردن بتفجيرات الفنادق ٢٠٠٥، وفي السلط ٢٠١٨، ومخيم الركبان ٢٠١٧ والكرك ٢٠١٦، وفي إربد ٢٠١٦ ومكتب المخابرات في عين الباشا/ البقعة بعامي ٢٠١٥_ 201?، وما خلفته من سقوط ضحايا وضباط فرسان الحق الأشاوس.
ولعل حرق الطيار العسكري معاذ الكساسبة ٢٠١٥ في الرقة بسوريا أبلغ مشاهد الوحشية والإرهاب التي حاولت وفشلت فشلاً ذريعاً زعزعة نظرية الأمن والأمان الأردنية.
وكمحاولة ربما استباقية والعالم يتخوف، من استغلال الانشغال البشري، باعياد الميلاد ورأس السنة والكورونا، والخشية تكمن من مندس، أو موتور، أو مغسول الدماغ، أو حامل للفيروسات الشتى، في أن يرتكب مغامرة ومقامرة بعمل إرهابي تفجيري يطيح بفرح وبهجة أفراح الميلاد المجيد، التي تعم العالم وتقلق بعضاً من عالمنا المجنون المنقلب على ذاته والمنقلب أصلاً على مناقبه وقيمه..
في اجتماعات العقبة التي يمكن اعتبارها فاتحة خير وسلام واطمئنان وابتعاد عن الحروب وويلاتها، لا غنى لنا عن دعوات الخيرين وإيمانهم بالأدوار الموكولة لهم في مقارعة التطرف الفكري وأدوات نشره «البلطة والقطاعة والسيف والأحزمة الناسفة والمفخخات' التي لا تفرق بين أبيض وأسود ومؤمن وملحد إذا ظلت هناك مساحة للالحاد لحساب الإيمان.
فالمخاطر والتهديدات الأمنية مستجدة، وكيف نتصدى لها وفي ظل تسارع التكنولوجيات والتقنيات، وكيف توظفها الجماعات الارهابية، بهدف نشر ثقافة الكراهية والإيتان بالمعلومات الكاذبة والإشاعات، ونحن إما لاهون أو غارقيين بالوهم حد الأذنيين.
إذا كانت اجتماعات العقبة عبر تقنية الاتصال المرئي قد أعادت التأكيد على قيام نهج شمولي، وتجهد لتشمل الموضوعات التي طرحتها المبادرة اجتماعات العقبة وما تشكل من حضور دولي من خلال تعدد اللقاء في الأردن وخارجه فإن انطلاقها بالأصل من العقبة لها مدلولها الإنساني الوطني الذي شكلته دماء ٦٧ شهيداً سقطوا بتفجيرات فنادق عمان في عز العمل الإرهابي.
والذي أصاب أغلب عواصم العالم، ومنذ تفجيرات مركز التجارة ٢٠١١ العالمي كردة فعل ألصقت الإرهاب بالإسلام فصدرت آنذاك «رسالة عمان» التسامحية ٢٠٠٤ ومبادرة الوئام الدولية التي أطلق شرارتها عبدالله الثاني بعام ٢٠١١ وغدت احتفالاً أسبوعياً كل عام، مما يؤكد استباقية الأردن ودوره المحوري في التصدي للإرهاب والإرهابين خوارج العصر.
كل هذا الإرهاب الذي ضربنا بمقتل، وما تم إحباطه من عمليات ذات بعد إرهابي وخلخلة ثقة الأردني بالدولة نعيد كل هذا مبررا مشروعا ومقبولا وملحا ان تكون اجتماعات العقبة أردنية الاصل وهواها دم الاردنيين الاطهر والأبرياء من أبناء الانسانية وقد مس الشر والعنف الأعمى أقدس المقدسات بقطعان المستوطنين، والعمل الدؤوب اليهودي في القدس والشيخ جراح لطرد سكانها الأصليين، وفي لبنان عامة وبغداد خاصة والشام الخاضعة لسطوة إرهاب الارهاب.
من العقبة.. الاجتماعات الأمنية الإقليمية ومستوياتها العليا خرج السيف الأردني، من غمده وطاف وجال هنا وهناك لمقارعة واجتثاث الإرهاب والتطرف، ولن يعود لغمده «بكفي حنين» إلا ونهج مقاومة الإرهاب بهويته الأردنية وسلاحه الناجع ونار الثأر قد أحرقت دعاة الإرهاب، كما أحرق جسد طيارنا الشهيد الكساسبة في الرقة.
وفي العقبة ومن العقبة.. ستندلع نيران الانتقام البشري، أو أنها اندلعت لحرق نيران التطرف وتخمدها لأبد الآبدين.