يلاحظ المتتبع لسياقات العلاقات في محيطنا العربي والشرق أوسطي تحولات وتغيّرات جذرية في الحراك الدبلوماسي والسياسي، حيث كسر جليد طال بعض الأواصر وإخماد نيران في بعضها الآخر.
ومن المعروف أنه في السياسة ليس هناك خصم دائم ولا صديق دائم، لكن ما يجري يستوجب من النخب السياسية والأصوات المطالبة بإسناد الملفات بالكامل للحكومات أن تتبيّن واقع ما يجري حولنا ومقارنته مع الوضع الأردني.
فالأردن ليس كغيره في إدارة هذا الملف، والمسألة هنا لا تتوقف عند الفارق بين الأنظمة الملكية وما ماثلها والجمهوريات، فالعديد من الدول بين شقيقة وصديقة شهدت وتشهد وستشهد تحولات جذرية على صعيد علاقاتها الخارجية بصرف النظر عن مآلات تلك التحولات ونتيجتها.
والفارق الحقيقي أن الأردن أكثر استقرارا في علاقاته مع الآخر، ولم توصد في وجهه أو وجوه أبنائه وبناته أية أبواب، ولم يصل في علاقة من العلاقات حدّ الخصومة أو القطيعة الكاملة، فهو الحاضر في المحافل جميعها، عربياً وإقليمياً ودوليا.
إن هذا كله لم يكن ولا يمكن له وأن يكون وليد صدفة، بل هو نتاج احتراف السير في حقول الالغام الاجبارية التي خلقها العامل الجيوسياسي وعمّقه شح الموارد الطبيعية واستيراد أزمات المحيط والتفاعل معها، وهذا بحد ذاته يشكل حالة نادرة على مستوى المنطقة والعالم أجمع.
إن ثبات ملف العلاقات الدولية واستقراره مرهون بالسدة الملكية التي تمسك بأوراقه بحرص ودقة، بعيدا عن النزعات والارتجالية والانقياد الأعمى وسياسات رد الفعل التي من الممكن وأن تطاله بغير تلك المظلة، بل هو يدار بمرونة وحصافة واتزان ورويّة على مدار مئة عام مضت وما زال.
التغيير والتطوير سنّة الأمم، لكن الهدف منها هو تحقيق نتيجة أكثر جودة لا إحراق سفن استهلَكت من السهر والسفر والعرق والقلق ما استهلكت، وإلا سنتعرض كغيرنا للأزمات المتعاقبة وسينعكس ذلك على واقعنا الداخلي في المجالات جميعها.
وعليه؛ يكون إسناد الملفات وفق معيارين أساسيّين، الأول هو الهدف المرجوّ والثاني قدرة الجهة المسند إليها من التعاطي بذات الاحترافية والتوازن والثبات، ولا يتوفر هذا فيما يتعلق بالعلاقات الخارجية سوى بإدارة ملكية عابرة للحكومات تضمن صالح الوطن بأطيافه المختلفة.
والله من وراء القصد